ذكرت وسائل إعلام أرجنتينية، أنّ أهداف زيارة الوفد الأمريكي الأخيرة للأرجنتين تتجاوز البعد المحلي والإقليمي اللاتيني لتصل إلى حجز موقع استراتيجي في القطب الجنوبي، في استنتاج مشابه لنموذج غرينلاند.
وأكدت مصادر إعلامية أرجنتينية مطلعة، أنّ الوفد الأمريكي رفيع المستوى الذي وصل إلى مدينة "أوشوايا" في أقصى جنوب الأرجنتين، عمل على تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية الكبرى التي تتجاوز الإطار الأرجنتيني المحلي.
وكشفت المصادر أنّ الوفد لم يكن عسكريًا بحتًا، بل كان مزيجًا من المشرعين والخبراء الاستراتيجيين، الأمر الذي يعكس شمولية الأهداف الاستراتيجية التي قدم من أجلها، حيث ضمّ أعضاء من لجنة الطاقة والتجارة بمجلس النواب.
وعلى الرغم من التكتم الشديد الذي أبدته السفارة الأمريكية حيال هوية أعضاء اللجنة لدواعٍ أمنية، أكدت التقارير الصحفية الأرجنتينية أنّ الأعضاء قيادات بارزة في اللجنة، وينتمي غالبيتهم إلى الحزب الجمهوري.
كما ضمّ الوفد موظفين خبراء من وزارة الطاقة، متخصصين في المعادن النادرة والثمينة وسلاسل توريد الطاقة، إضافة إلى مراقبين من القيادة العسكرية الجنوبية "SOUTHCOM".
وتشير المصادر الإعلامية الأرجنتينية إلى أنّ "أوشوايا" شهدت خلال سنتي 2024 و2025 3 زيارات متتالية لقائد القيادة الجنوبية الجنرال لورا ريتشاردسون، برفقة المرافقين الذين حضروا مع الوفد السياسي التقني.
ولم تسلم الزيارة من انتقادات إعلامية وسياسية وبرلمانية حادة في الأرجنتين، حيث قادت السيناتورة كريستينا لوبيز حملة تنديد بالزيارة، معتبرة إياها تمهيدًا لبناء "قاعدة بحرية مشتركة" تحت غطاء مدني، مؤكدة أنّ "أوشوايا" ليست قاعدة أجنبية.
ونقلت جهات صحفية أرجنتينية محلية عن لوبيز اتهامها للرئيس خافيير ميلي بتسليم السيادة الوطنية مقابل "حزمة إنقاذ مالية".
ويبدو أنّ تصريح لوبيز يتقاطع كليًا مع تسريبات تتحدث عن صفقة مقايضة بين إدارة دونالد ترامب والرئيس ميلي، حيث تشتري واشنطن سندات أرجنتينية وتدفع ديونًا بقيمة 20 مليار دولار مقابل قبول بيونس آيرس بتمركز قاعدة عسكرية أمريكية في "أوشوايا".
وأفردت وسائل الإعلام الأرجنتينية تغطيات واسعة للبحث في أسباب زيارة الوفد الأمريكي وتركيزه على "أوشوايا"، واصفة الزيارة بـ"الإنزال السياسي والعسكري" في أقصى جنوب القارة.
وأشارت إلى أنّ الزيارة تمت بدعم مباشر من وزير الخارجية ماركو روبيو وسفير الولايات المتحدة بيتر لاميلاس في بيونس آيرس، بالنظر للأهمية الاستراتيجية الكبرى لمثل هذه الزيارات الخاطفة في سياقات سياسية وعسكرية حرجة جدًا.
ونقلت عن مراقبين للشأن الأمريكي اللاتيني قولهم، إنّ الوجود الأمريكي عبر القاعدة البحرية المشتركة مع حكومة ميلي، سيسمح للأسطول الأمريكي بالسيطرة على الممر الاستراتيجي بين المحيطين الأطلسي والهادئ، عند مضيق ماجلان وقناة بيغل، والحيلولة دون بناء الصين لميناء لوجستي في أقصى الجنوب الأرجنتيني.
وهو الميناء الذي علّق عليه الصينيون آمالًا كبيرة لربط المحيطين والقارتين، والسيطرة على الممر البحري في حال تعطل قناة بنما.
ووفقًا للمراقبين الأرجنتينيين، تهدف واشنطن إلى الظفر بـ"برج مراقبة" على كافة خطوط الشحن الخارجة من الأرجنتين، لمنع تهريب المعادن الاستراتيجية والثمينة أو وقوعها تحت سيطرة شركات معادية، خاصة مع دخول اتفاقية ميركوسور حيز التطبيق مؤخرًا.
ولا يمكن إغفال حصّة واشنطن من "كعكة" المعادن النادرة والثمينة في الأرجنتين، خاصة بعد الاكتشافات العلمية الواعدة وتقارير وجود عناصر أرضية نادرة في مقاطعتي "سالتا" و"خوخوي".
وتعتبر الأرجنتين واحدة من أغنى دول العالم بالثروات المعدنية غير المستغلة بالكامل، فهي تمتلك ثالث أكبر احتياطي عالمي من الليثيوم، والأقل تكلفة في الاستخراج، ورابع أكبر احتياطات النحاس غير المستغلة عالميًا (حوالي 44 مليون طن)، إضافة إلى الذهب والفضة في مقاطعة "سانتا كروز".
كل ذلك يجعل الأرجنتين "الجائزة الكبرى" للولايات المتحدة في سباق السيطرة على المعادن النادرة، وكسر احتكار الصين لها، وضرب سلاسل توريدها، إذ تعتبر هذه المعادن حيوية في صناعة الهواتف الذكية، السيارات الكهربائية، الرادارات، الذكاء الاصطناعي، والحواسيب المحمولة.
في المقابل، هناك بعد استراتيجي لم يركز عليه الإعلام الأرجنتيني كثيرًا، وهو "القارة القطبية الجنوبية"، حيث تعتبر "أوشوايا" أقرب نقطة مأهولة للقارة، على بعد ألف كيلومتر فقط، مع رغبة أمريكية معلنة للسيطرة على الجزء الغربي من المعمورة.
ونصّت العقيدة الأمنية الأمريكية الجديدة على إحياء مبدأ "مونرو"، القائم على سيطرة واشنطن على الجزء الغربي من العالم، والحيلولة دون أي تدخل أجنبي في هذا الفضاء.
وتشهد القارة القطبية الجنوبية سباقًا أمريكيًا-صينيًا-روسيًا لحجز مواقع استراتيجية قبل عام 2048، موعد مراجعة معاهدة القطب الجنوبي والسماح بالتعدين فيها.
وإذا منع بروتوكول مدريد لعام 1991 أي نشاط تعديني في القطب الجنوبي إلا للأغراض السلمية والبحث العلمي، فإن تعليق المادة 7 من البروتوكول، التي تحظر التعدين، يُعد فرضية ممكنة قبل أو بعد 2048.
وتسعى واشنطن لضمان أن تكون الأرجنتين بوابتها نحو القطب الجنوبي، وضمان سيطرتها المطلقة على الجزيرة، وحصتها من الموارد القطبية.
وتشير المصادر السياسية، إلى أنّ النقاش عاد بقوة حول تعليق العمل بمعاهدة القطب الجنوبي بعد الاكتشافات التعدينية والطاقية التي قد تغيّر التوازنات العالمية.
فالتقديرات الجيولوجية تشير إلى وجود حوالي 500 مليار برميل نفط وغاز في الجرف القاري، خاصة في بحر "روس" و"ودل"، بينما تضم جبال "ترانس أنتاركتيكا" مكامن ضخمة من الفحم والحديد والنحاس والذهب واليورانيوم والليثيوم، وهي معادن أساسية للصناعات العسكرية والنووية والتقنية المتطورة.
وتحتل القارة مساحة تعادل مجموع الولايات المتحدة والمكسيك، وتحتوي على 70% من المياه العذبة العالمية، وهو مورد سيصبح أثمن من النفط بحلول 2048 نتيجة التغيرات المناخية.
وفي هذا المفصل الاستراتيجي، يؤكد المراقبون أنّ واشنطن تهدف من تمركزها في "أوشوايا" إلى بناء مراكز تنصت ورادارات متطورة، لمراقبة الأنشطة العلمية الروسية والصينية والاطلاع على نتائج تحليلاتها وحفرياتها، خشية أن تتحول المحطات القطبية الصينية، مثل "تشينلينغ"، إلى مراكز للتجسس الفضائي وتعطيل الأقمار الصناعية الغربية.