ينهي وزير الخارجية الصيني "وانغ يي"، الأحد، جولة آسيوية مهمة قادته إلى كل من "كمبوديا" و"تايلاند" و"ماينمار"، فيما يعتبر الخبراء في الشأن الآسيوي أنّها تؤكّد رغبة بكين في بسط نفوذها في منطقة جنوب شرق آسيا.
ووصف المتحدث باسم وزارة الخارجية "قوه جيا مون"، دولَ الزيارة بأنهم "جيران وأصدقاء للصين" معبرًا عن أمل بلاده في أن تسهم الزيارة إلى الدول الثلاث في تعميق الروابط في المنطقة التي تواجه مخاطر وتحديات.
وفي قراءة استراتيجية للجولة الإقليمية، اعتبرت الدكتورة غدي قنديل الباحثة في الشؤون الآسيوية أنّه يمكن قراءتها كجزء من إعادة تموضع استراتيجي صيني في الإقليم في لحظة تشهد تحولات حادة في توازنات آسيا-الباسيفيك.
ووضعت الدكتورة قنديل 3 أهداف كبرى لهذه الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الصيني إلى دول جنوب شرق آسيا.
أمّا الهدف الأول – وفق قنديل – فيتمثل في تثبيت الحزام الجيوسياسي المحيط بالصين ومنع الاختراق الأمريكي حيث تتحرك بكين وفق منطق تأمين المجال الحيوي القريب.
وقالت في تصريح لـ"إرم نيوز": "تُمثل دول جنوب شرق آسيا الحلقة الأكثر حساسية في البيئة الاستراتيجية الصينية، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي، بل لكونها تمثل خط الدفاع الأول عن العمق الصيني البحري والبري، ومن ثمّة فإن الجولة تعكس إدراكًا صينيًا متزايدًا بأن واشنطن تعمل على توسيع حضورها في الإقليم عبر تحالفات أمنية مرنة وشبكات ردع متعددة المستويات، وشراكات ثنائية مع بعض دول المنطقة".
وانتهت الباحثة قنديل إلى أنّ بكين تسعى إلى تحصين الأطراف الأكثر قابلية للتأثير—خاصة كمبوديا وماينمار- لمنع تحولها إلى نقاط اختراق مضادة للمصالح الصينية، وإعادة إنتاج معادلة إقليمية تقوم على الأمن مع الصين لا ضدها.
ويبرز في هذا السياق إطلاق أول آلية حوار استراتيجي “2+2” بين الصين وكمبوديا (الخارجية والدفاع)، بما يعكس انتقال العلاقة من الشراكة السياسية إلى مستوى التنسيق الأمني المؤسسي.
وفي شرحها للهدف الثاني من الجولة اعتبرت الدكتورة قنديل أنّه يتمثل في تأمين الممرات الاقتصادية واللوجستية لـ"مبادرة الحزام والطريق".
وقالت في هذا الصدد: "تُمثل هذه الجولة بعدًا اقتصاديًا-استراتيجيًا بالغ الأهمية، إذ تقع الدول على مسارات حيوية لمبادرة الحزام والطريق سواء عبر الممر البري نحو شبه الجزيرة الهندية الصينية أو عبر المنافذ البحرية الممتدة نحو المحيط الهندي ومضيق ملقا".
وأضافت :"تدرك الصين أن أي اضطراب سياسي في ماينمار أو توتر حدودي بين تايلاند وكمبوديا قد يهدد خطوط الإمداد والطاقة والتجارة الصينية. لذلك، تحمل الجولة وظيفة إدارة المخاطر الجيو-اقتصادية عبر احتواء التوترات الثنائية، وضمان استمرارية المشاريع الصينية، وإعادة تأمين سلاسل التوريد الإقليمية في ظل تصاعد الضغوط التجارية الغربية وإعادة تشكيل خرائط التصنيع العالمية. فبكين هنا لا تدافع عن استثماراتها فقط، بل عن بنية نفوذها الاقتصادي الممتدة في الإقليم.
أما الهدف الثالث فيكمن – حسب قنديل- في إعادة هندسة البيئة الأمنية الإقليمية تحت مظلة النفوذ الصيني، إذ تكشف الجولة تحولًا في السلوك الصيني من دبلوماسية اقتصادية تقليدية إلى دبلوماسية أمنية نشطة.
واعتبرت أنّ الملف الأبرز هو ماينمار، حيث تسعى الصين إلى لعب دور الوسيط الضامن للاستقرار، ليس بدافع أخلاقي، بل لمنع انهيار الدولة على حدودها الجنوبية وتحولها إلى مصدر تهديد أمني مباشر (لاجئون، جماعات مسلحة، جريمة عابرة للحدود).
كما أن تركيز بكين في كمبوديا وتايلاند على مكافحة شبكات الاحتيال العابر للحدود والجريمة السيبرانية يشير إلى توسع مفهوم الأمن الصيني ليشمل الأمن الرقمي والاجتماعي، وليس العسكري فقط.
ومن ثم تحاول الصين إعادة تعريف الأمن الإقليمي بوصفه مجالًا تُدار أزماته عبر بكين، بما يؤسس لنمط مركزية صينية في إدارة أمن جنوب شرق آسيا، كمقدمة لترسيخ نفوذ طويل المدى في الإقليم.
من جهته، يعتبر الأكاديمي والباحث في الشأن الآسيوي الأستاذ أحمد صبري السيد علي أنّ الصين من خلال هذه الجولة تستثمر في مخاوف تولدت لدى هذه الدول من عجز واشنطن عن حمايتها، وبالتالي فهي تسعى إلى مزيد التقارب مع بكين، خاصة أنّ الصين تمثل الشريك الاقتصادي الأول لهذه الدول.
وفي شرحه لخصوصية العلاقات الصينية التايلاندية، أشار السيد علي في تصريح لـ"إرم نيوز" إلى أنّ العلاقات الثنائية شهدت تطورًا خلال الفترة الأخيرة خاصة بعد رفض واشنطن منح تايلاند طائرات F-35 بتعلات تقنية الأمر الذي جعلها تتوجه إلى الصين مع السعي إلى المحافظة على علاقات جيدة مع واشنطن.
وتابع السيد علي: " على سبيل المثال تعاقدت تايلاند على شراء غواصات صينية من طراز (S26T Yuan-class).
كما اشترت دبابات (VT-4) ومدرعات (VN-1) صينية الصنع، وضمت إلى أسطولها سفينة الإنزال العملاقة (Type 071ET) من الصين، كما تسعى لتعزيز مشروع السكة الحديدية الصينية-التايلاندية".
وفيما يخص ماينمار، قال الباحث في الشأن الآسيوي: "بالنسبة لماينمار فإن المجلس العسكري الحاكم يواجه صعوبات بسبب المجموعات المسلحة المعارضة وبالتالي تسعى بكين لتهدئة الأمور على حدودها، بعد أن نجحت سابقًا في التوسط لوقف النار بين الطرفين.
وتابع: "وهنا يمثل ممر "لانتسانغ-ميكونغ"، وهي سكك حديدية تمر من الصين حتى تايلاند عبر "لاوس" و"ميانمار"، بالنسبة للمجلس العسكري طوق نجاة له".
كما اعتبر السيد علي أنّه لا يمكن شرح مصفوفة الزيارة الإقليمية دون ربطها أيضًا بالزيارة التي قام بها الرئيس الفيتنامي "تو لام" للصين، في 17 أبريل الجاري، حيث تعتبر زيارته رسالة طمأنة للصين باستمرار التفاهمات الصينية وأنّ تطور العلاقات الفيتنامية الأمريكية والتي وصلت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الكاملة لن تؤثر على العلاقات التاريخية بين الحزبين الشيوعيين الحاكمين في البلدين.