إسرائيل تعلن أنها قصفت موقعا لوزارة الدفاع الإيرانية يزود حماس وحزب الله بالسلاح
لم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تُقرأ فقط من زاوية الضربات على المنشآت العسكرية والنووية، بل بدأت تُنتج مشهدًا داخليًا مختلفًا داخل المدن الإيرانية. فمع اتساع الضربات، برزت ظاهرة لافتة، وهي انتشار غير مسبوق للحواجز الأمنية ودوريات "الباسيج" داخل الأحياء، في مؤشر يطرح تساؤلات حول طبيعة السيطرة الأمنية داخل البلاد.
وفق تقارير وشهادات نقلها موقع "إيران إنترناشيونال"، شهدت مدن مثل طهران وأراك ورشت انتشارًا واسعًا لنقاط التفتيش، بعضها عند مداخل المدن وأخرى داخل الأحياء، مع دوريات مسلحة وسيارات غير موسومة. وتحدثت هذه التقارير عن أجواء "عسكرية" داخل المدن، مع حضور أمني مكثف يتجاوز حماية المنشآت إلى السيطرة على المجال المدني نفسه.
وتتقاطع هذه الروايات مع ما نقلته وكالة رويترز عن سكان في طهران، حيث وصفوا العاصمة بأنها تشهد حواجز "في كل شارع وزقاق" ، في ظل خوف واسع وانقطاع جزئي للخدمات؛ ما يعكس انتقال أدوات الضبط إلى داخل الحياة اليومية للسكان، لا الاكتفاء بالمواقع الحساسة فقط.
لم يبقَ هذا التحول داخليًا فقط. فقد أعلنت إسرائيل، في أكثر من بيان، أنها استهدفت حواجز يديرها "الباسيج" داخل طهران، في خطوة تعكس انتقال المواجهة إلى بنية السيطرة الداخلية للنظام، وليس فقط منشآته العسكرية.
وتشير تقديرات معهد دراسة الحرب ومشروع التهديدات الحرجة إلى أن الضربات الأمريكية - الإسرائيلية باتت تستهدف بشكل متزايد أجهزة الأمن الداخلي، بما في ذلك مراكز قيادة الباسيج ومحطات الشرطة، بهدف إضعاف قدرة النظام على ضبط الشارع، لا مجرد تدمير قدراته الهجومية.
ضمن هذا السياق، يبرز "الباسيج" كأحد أهم أعمدة السيطرة الداخلية في إيران، مع تقديرات تضع عدد عناصره الفاعلين بمئات الآلاف. لكن هذه القوة تعرضت خلال الأسابيع الأخيرة لضربات مباشرة؛ إذ أفادت رويترز بمقتل قائد الباسيج غلام رضا سليماني، فيما تحدثت تقارير نقلها "إيران إنترناشيونال" عن سقوط عشرات العناصر في استهداف حواجز ومراكز داخل طهران، إضافة إلى تقديرات غير مؤكدة عن خسائر أكبر في صفوف القيادات الميدانية.
ورغم صعوبة التحقق الكامل من هذه الأرقام، فإن الثابت هو أن الباسيج لم يعد مجرد أداة ضبط داخلي، بل أصبح جزءًا من بنك الأهداف في هذه الحرب؛ ما يضعه تحت ضغط مزدوج، من خلال الحفاظ على السيطرة، وتجنب الاستنزاف في الوقت نفسه.
في هذا السياق، يرى الباحث السياسي العراقي، إياد العنبر، أن التصعيد العسكري ضد إيران لا يمكن فصله عن تداعياته الداخلية؛ إذ يضع بنية النظام أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرته على الحفاظ على تماسكه في ظل الضغوط المركبة.
ويشير إلى أن تداخل العوامل الأمنية والسياسية والاقتصادية داخل الدولة الإيرانية يجعل أي ضغط خارجي ينعكس سريعًا على الداخل، حيث تصبح مؤسسات الضبط مطالبة ليس فقط بإدارة الأمن، بل أيضا باحتواء آثار الحرب على المجتمع ومنع تحوّل التوتر إلى حالة عدم استقرار أوسع.
بالتوازي، تكشف الأرقام الرسمية نفسها عن حجم القلق الداخلي. فقد أفادت التقارير باعتقال مئات الأشخاص بتهم تتعلق بالنشاط الإلكتروني أو "التعاون مع جهات معادية" ، في واحدة من أكبر حملات الاعتقال منذ بداية الحرب.
كما تحدثت تقارير "إيران إنترناشيونال" عن إجراءات استثنائية، بينها توسيع مهام التعبئة داخل المدن، وخفض سن المشاركة في بعض أنشطة الدعم الأمني، في مؤشر على محاولة توسيع قاعدة الانتشار الميداني.
لا ترسم المعطيات ما تشير إلى انهيار أمني مباشر، بل إلى حالة أكثر تعقيدًا، فالنظام لا يزال يمتلك أدوات القمع، لكنه مضطر إلى نشرها بكثافة غير مسبوقة، وفي كل حي تقريبًا.
هذه المفارقة تكشف جوهر التحول الجاري. فالحرب التي بدأت على حدود إيران، وصلت إلى داخل مدنها، ليس عبر القصف فقط، بل عبر إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والشارع. وبينما تحاول طهران تثبيت سيطرتها، يبدو أن هاجس الانفلات بات حاضرًا في كل حاجز أمني يُنصب داخل المدن.