تخنق ما يُعرف بـ"الدولة العميقة" في إيران نفسها، وتُحرق آخر أوراقها في هذه المرحلة الفاصلة، من خلال الدور الذي يمارسه المحافظون "الصقور" أصحاب القبضة داخل الجناح المتشدد في الحرس الثوري، ليس فقط عبر قطع الطريق على أي دور للإصلاحيين "الحمائم" لوقف الحرب، بل أيضًا عبر تخوينهم.
ويحاول "الحمائم" الحفاظ على توازن النظام ومنع سقوطه عسكريًا في ظل الحرب القائمة مع الولايات المتحدة، عبر فتح قنوات تفاوض إيجابية مع واشنطن، إلا أنهم يواجهون حملة تخوين واسعة من قبل المحافظين.
واعتبر خبراء في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن تخوين المحافظين للإصلاحيين في هذا التوقيت، يقضي على ورقة أن يكون هناك جناح في السلطة، قادر على حفظ ماء الوجه للنظام والقيام بالتفاوض بالحد الأدنى للشروط التي لا تكسره نهائيا.
وكان وصف متشددون إيرانيون، وزير الخارجية السابق، محمد جواد ظريف بـ"الخائن" واتهموه بالتجسس، بسبب دعوته لإنهاء الحرب، وذلك في الوقت الذي حث أحد نواب السلطة القضائية على اعتقاله مع الرئيس الأسبق حسن روحاني، الذي يمضي على النهج نفسه.
وقال الخبير في الشأن الإيراني، الدكتور أحمد الياسري، إن الحركة الإصلاحية هي حركة تصدير الدولة وليس الثورة أو جعل النظام إمبراطورية من خلال النفوذ الخارجي، مثل نهج المحافظين.
وأضاف الياسري لـ"إرم نيوز"، أن المحافظين كانوا يركزون على الخطابات الثورية الأفقية ولكن بالسنوات الأخيرة بعد الرئيس الأسبق أحمدي نجاد، أصبحوا نخباً وبدأوا يشكلون جمعيات خاصة بالحركة المحافظة يدعمهم الحرس الثوري، فأصبحت هناك توليفة في الحكم بين الحمائم والصقور.
ويأخذ المرشد دور الضابط في العلاقة بين الإصلاحيين والمحافظين، مائلاً إلى الصف الأخير بحسب الياسري مع العمل على إتاحة دور للحمائم عبر قيادة بعض المواقع السيادية وأبرز عمل لهم، هو إدارة السياسات الخارجية.
وأشار الياسري إلى أن إيران في الوقت الحالي، يديرها الحرس الثوري الذي يمثل أقصى يمين المحافظين وبكل تأكيد أي عملية يدعو لها أي تيار إلى التهدئة وإنهاء الحرب، سيتم مجابهتها برفض وتجييش في الداخل من الصقور.
في حين أن الحمائم طرحوا مبادرة لإخراج جميع الأطراف من المأزق وإعادة ترتيب الأوراق ووضع صورة أن ما حققته إيران في هذه الحرب بمثابة نصر استراتيجي، مثلما يظهر في خطاب جواد ظريف "الإصلاحي"، ليواجه بالتخوين من المتشددين المحافظين ويقطعون الطريق عليه.
وحتى كل دعوات الرئيس مسعود بزشكيان على حد قول الياسري، اعترض عليها المحافظون، عندما خاطب دول الجوار بشكل إيجابي واعترف بأخطاء ارتُكبت، ليتعرض على أثر ذلك، لهجوم من الصقور ووصفوه بـ"الخائن".
واعتبر الياسري أن عملية إزاحة الولايات المتحدة وإسرائيل جميع القيادات الإيرانية خلال الحرب، جعلت إيران برأس متشدد للغاية، وإذا استطاع دونالد ترامب، فتح مضيق هرمز بالقوة مع تكبيد الحرس الثوري خسائر كبيرة، ستكون مبادرات الإصلاحيين أقوى، والعكس صحيح لصالح المحافظين.
وبدوره، يؤكد الباحث في الشأن الإقليمي، الدكتور فرهاد عمر، أن الذهاب إلى تخوين الإصلاحيين من جانب المحافظين، يقضي على ورقة أن يكون هناك جناح قادر على حفظ ماء الوجه للنظام والقيام بالتفاوض بالحد الأدنى للشروط التي لا تكسره نهائيا.
وبين عمر لـ"إرم نيوز"، أن هذه النبرة الخاصة بالتخوين، من الممكن أن تحرك أطرافاً داخل النظام من المتشددين، يندفعون بفتاوى بقتل قادة الإصلاحيين؛ ما يفقد النظام الجناح الثاني الذي يعمل على ضبط رمانة ميزان السلطة.
وأفاد عمر أن التصدع حاضر بين أركان النظام في ظل مطالبة جواد ظريف وحسن روحاني، بالقبول الجزئي للشروط وإبرام اتفاق عدم اعتداء بين طهران وواشنطن.
ويزداد التصدع أيضا، في الوقت الذي خرجت فيه فائزة رفسنجاني ابنة الرئيس الأسبق، لتعلن أن القيادة الإيرانية العسكرية والسياسية، تحتاج لاستفتاء شعبي، لإثبات شرعيتها.
ولم يكن لدى الإصلاحيين منذ البداية صوت في الأروقة السياسية بمكتب المرشد مع هذه الحرب ولكن مع ما يتردد بأن المرشد مجتبي خامنئي قتل ولحق بوالده، تكون المهمة صعبة أمامهم لإتمام التفاوض بحسب عمر، في ظل دوائر متشددة معقدة بالسلطة حالياً.
وبات الصدام على الخط "الساخن"، على حد تعبير عمر، في ظل السجال الذي جرى بين مسعود بزشكيان وقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، وسط تهديد من الأخير بقتله، في ظل تأكيد الإصلاحيين أن الدولة والداخل لم تعد لديهم طاقة في مواجهة القوة الهائلة.
ويرى عمر أن إيران بعد أسبوعين على الأكثر، إذا لم تدمر بنيتها التحتية وظلت محتفظة بجانب منها، سيتقدم الإصلاحيون ويرفعون "الراية البيضاء" في هذه الحرب، ومن ثم يأتون بقوة إلى ساحة السلطة.