الجيش الإسرائيلي: قواتنا تهاجم منصات أطلق منها حزب الله صواريخ باتجاه شمال إسرائيل
لا تبدو بوركينا فاسو، للوهلة الأولى، مكانًا متوقعًا لتقاطع النفوذ الإيراني والإسرائيلي، فالدولة الواقعة في قلب الساحل الغربي الأفريقي تعيش أزمة أمنية خانقة.
غير أن ما كُشف أخيرًا عن موافقة واغادوغو، على اعتماد السفير الإسرائيلي غير المقيم، بالتوازي مع تقارب معلن مع طهران ولقاءات دفاعية رفيعة المستوى بين الجانبين، يكشف أن السلطة هناك تفتح قنواتها الخارجية وفق ما تحتاجه من سند أمني وسياسي.
وتعزز المعطيات المتداولة ذلك الاتجاه، إذ تشير إلى أن الرئيس الانتقالي إبراهيم تراوري وافق على اعتماد السفير الإسرائيلي الجديد للمنطقة، فيما تؤكد الصفحة الرسمية للسفارة الإسرائيلية في أبيدجان (عاصمة ساحل العاج) أن السفير سيمون كليمان سيروسي معتمد أيضًا لدى بوركينا فاسو إلى جانب دول أخرى في غرب أفريقيا، وهو ما يضع هذا الانفتاح في إطار رسمي واضح.
وتستقبل واغادوغو اليوم تحركات خارجية في لحظة ضعف واضحة، بعدما تراجعت قدرة السلطة على الإمساك الكامل بالأرض، وتصاعد نشاط الجماعات المرتبطة بالقاعدة، واتسعت دوائر العنف في البلاد ومحيطها الساحلي، وهذا التراجع نفسه فتح الباب أمام طهران كي تدخل إلى بوركينا فاسو بدافع مصلحي صرف، مستفيدة من حاجة السلطة العسكرية إلى السلاح والخبرة الأمنية، في المقابل، تتحرك إسرائيل عبر الاعتماد الدبلوماسي والخبرة الأمنية والتقنية.
وعند النظر إلى الاقتراب الإيراني من بوركينا فاسو ضمن المشهد الأفريقي الأوسع، تبدو الصورة أقرب إلى محاولة انتهاز ظرف أمني وسياسي مرتبك من أجل التسلل إلى سلطة عسكرية تحتاج إلى الدعم، إذ ظهر خلال عامي 2025 و2026 حديث إيراني متكرر عن تعاون اقتصادي وأمني مع واغادوغو، قبل أن يظهر ذلك بصورة أوضح في اللقاء الذي جمع الرئيس الإيراني بوزير الدفاع البوركيني سيليستين سيمبوريه في طهران خلال شباط/فبراير الماضي، بما يكشف أن إيران تستغل هشاشة الدولة وحاجة السلطة إلى السند من أجل خدمة مصالحها المباشرة.
وتشير تقارير دولية حديثة إلى أن إيران كثّفت اقترابها من منطقة الساحل مستفيدة من تراجع الحضور الغربي ومن حاجة السلطات العسكرية إلى شركاء لا يثقلون التعاون الأمني والعسكري بشروط سياسية، وهو ما ظهر في تنشيط قنواتها مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو، عبر ملفات تتصل بالأمن والتعاون الاقتصادي والتقني، في مسار يخدم تخفيف عزلتها وفتح منافذ جديدة لمصالحها داخل بيئات مضطربة يسهل التسلل إليها.
وفي المقابل، تفيد تقديرات بحثية حديثة بأن الحضور الإسرائيلي في أفريقيا لا يُفهم من زاوية التمثيل الدبلوماسي وحده، لأن البعد الأمني ظل مكوّنًا ثابتًا فيه، من خلال التعاون الاستخباري والتدريب والروابط المرتبطة بالأمن.
كما تظهر دول مثل كينيا وغانا وتوغو والكاميرون وزامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ضمن البيئات التي لا تزال تحتفظ بقيمة سياسية وأمنية في حسابات تل أبيب، إلى جانب دول أخرى مثل ساحل العاج وأوغندا وإثيوبيا، وهو ما يضع التحرك الإسرائيلي في غرب أفريقيا ضمن تصور أوسع يتجاوز العلاقة الثنائية الضيقة مع واغادوغو.
وفي الجهة الإسرائيلية، لا يبدو اعتماد السفير غير المقيم مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، لأن هذا الاعتماد يضع العلاقة مع واغادوغو داخل إطار سياسي وأمني أوسع، ويفتح لإسرائيل بابًا رسميًا في بلد تنظر إليه كمدخل مهم داخل غرب أفريقيا والساحل.
ومن داخل هذا الإطار، يظهر الاهتمام الإسرائيلي ببوركينا فاسو متصلًا بمقاربة أوسع تجاه أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، حيث امتد الحضور الإسرائيلي إلى مجالات الأمن والتكنولوجيا، وبقي البعد الأمني واضحًا في هذه السياسة.
وضمن هذا المسار، تكتسب بوركينا فاسو أهمية خاصة بالنسبة إلى إسرائيل، لأنها دولة تواجه عنفًا مسلحًا مستمرًا، وتحتاج إلى أدوات في المراقبة والأمن والاستخبارات، وتقع في منطقة تختلط فيها الجماعات المسلحة بشبكات التهريب وبمسارات عدم الاستقرار، وهو ما يجعلها بالنسبة إلى إسرائيل مدخلًا مهمًا لترسيخ نفوذ أمني وتقني وسياسي داخل الساحل وغرب أفريقيا.
ويظهر هذا بوضوح أكبر عند النظر إلى وضع البلاد من الداخل، حيث تواجه الحكومة العسكرية اتساع العنف الذي يطال المدنيين وتراجع قدرتها على ضبط المشهد الأمني، ولهذا تتجه إلى توسيع علاقاتها الخارجية بحثًا عن دعم يمدها بأسباب الاستمرار، ويمنحها مادة سياسية تستخدمها في الداخل، من دون أن يعني ذلك أن هذه العلاقات تعالج أصل الأزمة بقدر ما تكشف عمقها وتكشف اعتماد السلطة المتزايد على الخارج.
وتكشف بوركينا فاسو هنا اتساع رقعة التنافس الخارجي داخل أفريقيا، وخصوصًا في مناطق الساحل، وفي هذا المناخ تدخل قوى من خارج الإقليم، ومنها إيران وإسرائيل، إلى مساحة تنافس على النفوذ الأمني والسياسي والتقني، وهو ما يجعل واغادوغو واحدة من النقاط التي يظهر فيها هذا التنافس بوضوح.
ومن داخل هذا المشهد، تستغل إيران هشاشة البلد وحاجة السلطة إلى السند من أجل خدمة مصالحها المباشرة، بينما تتحرك إسرائيل ضمن مسار أوضح يتصل بالحضور الأمني والتقني والسياسي في غرب أفريقيا، أما السلطة في بوركينا فاسو فتتعامل مع هذا كله كمساحة مفتوحة للحصول على ما يعزز قدرتها على الاستمرار ويخفف من عزلتها، في وقت تظل فيه أزمة البلاد مرتبطة بتآكل الداخل واستمرار ضعفه.