مع تصاعد الحرب الدائرة في المنطقة، وتزايد الضربات التي استهدفت مواقع عسكرية إيرانية، بدأت مؤشرات اضطراب تظهر داخل بنية النظام الإيراني.
ويتركز هذا الاضطراب في المؤسسة العسكرية الأكثر نفوذاً في إيران، وهي "الحرس الثوري"، في وقت تتقاطع فيه تقارير إعلامية واستخباراتية عن حالات فرار وانقسامات داخلية، مع مؤشرات على خلافات في هرم السلطة بشأن إدارة المواجهة العسكرية.
وتشير تقارير متطابقة إلى أن أجهزة الرقابة الداخلية في الحرس الثوري، وكذلك الباسيج، بدأت خلال الأسابيع الأخيرة حملة تفتيش واسعة داخل مختلف الوحدات، في محاولة لتتبع مصادر التسريب والاختراق الأمني، بعد سلسلة ضربات دقيقة استهدفت تحركات القادة الميدانيين ومخازن أسلحة نوعية.
ووفق هذه التقارير، تسود حالة من الريبة داخل الدوائر القيادية للحرس الثوري، إذ باتت بعض الإخفاقات الميدانية تُفسر على أنها نتيجة اختراقات أمنية أو تعاون داخلي مع جهات خارجية.
ودفع ذلك القيادات الإيرانية إلى تشديد الرقابة وفرض إجراءات أمنية صارمة على العناصر الحساسة، من بينها تقييد السفر ومراقبة الاتصالات.
وأفادت القناة الـ14 العبرية، في تقرير، قبل يومين، بأن انشقاقات واسعة في صفوف حملة الرتب الدنيا بدأت تظهر داخل الحرس الثوري الإيراني، خصوصًا في المقار الواقعة في ضواحي طهران وخارجها.
ونقلت عن مصدر مقرب من المؤسسة العسكرية قوله إن بعض العناصر تحاول مغادرة البلاد عبر طرق برية مع تصاعد المخاوف من مستقبل الحرب.
وبحسب المصدر ذاته، فإن حالة من القلق تسود داخل صفوف التنظيم، إذ يخشى كثير من العناصر من تبعات أي خطوة تمرد أو انسحاب في حال تمكن النظام من تجاوز الأزمة الحالية، وهو ما يجعل الحديث عن موجة انشقاقات واسعة أمرًا معقدًا بسبب طبيعة النظام الأمني الصارم داخل الحرس الثوري.
ونقلت وكالة "رويترز" عن مراقبين ومصادر داخل إيران قولهم إن "الاستقرار الداخلي لا يزال يمثل أولوية قصوى للمؤسسة العسكرية الإيرانية خلال الحرب".
يرى مختصون أن هذا القلق يرتبط أيضاً بفجوة الامتيازات داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية، إذ يشعر بعض العناصر الميدانيين بأنهم يتحملون كلفة المواجهة المباشرة، في حين تتمتع القيادات العليا بامتيازات أكبر، وهو ما ينعكس على مستوى الانضباط والالتزام بالأوامر العملياتية في بعض الوحدات.
وفي هذا السياق، يقول أستاذ الإعلام غالب الدعمي، لـ"إرم نيوز"، إن "الأزمات الكبرى عادة ما تكشف التناقضات الكامنة داخل الأنظمة السياسية". وأشار إلى أن "الساحة الإيرانية تشهد بالفعل اختلافات في الرؤى بشأن كلفة المواجهة العسكرية".
وأضاف الدعمي أن "بعض التيارات داخل إيران باتت تتساءل عن جدوى الاستمرار في سياسات عسكرية مكلفة بعد عقود من الاستثمار في برامج الصواريخ والتسلح، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع مستويات المعيشة".
وأوضح أن "التيار المتشدد داخل الحرس الثوري لا يزال يميل إلى خيار المواجهة، سواء لأسباب تتعلق بالعقيدة السياسية أو بالمصالح المرتبطة بالنفوذ داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل هذا التيار أكثر تمسكاً باستمرار العمليات العسكرية".
ويلفت مختصون إلى أن التحدي الأكبر الذي قد يواجه إيران في المرحلة المقبلة لا يرتبط فقط بالضربات العسكرية، بل أيضاً بالتداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب، في ظل تراجع العملة المحلية وتزايد الضغوط على الاقتصاد.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المؤسسة العسكرية الإيرانية أمام اختبار معقد يجمع بين الضغوط الخارجية والتوترات الداخلية، إذ تحاول القيادات الأمنية احتواء مؤشرات التصدع داخل صفوفها، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول قدرة النظام على الحفاظ على تماسكه إذا استمرت الحرب لفترة طويلة.
وفي المقابل، يرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية كاظم ياور أن "تأثير الضربات العسكرية في بنية النظام الإيراني قد يكون محدوداً في المدى القريب، نظراً لوجود شبكة واسعة من المؤسسات الأمنية والاجتماعية المرتبطة بالحرس الثوري".
وقال ياور لـ"إرم نيوز" إن "هذه المؤسسات، مثل قوات الباسيج واللجان المحلية المرتبطة بالأجهزة الأمنية، تمتلك حضوراً واسعاً داخل المجتمع الإيراني، إذ تعمل على مراقبة النشاطات الاجتماعية والسياسية وتوفير شبكة دعم للنظام في مختلف المحافظات".
وأشار إلى أن "هذه الشبكات، التي تحصل على تمويل وامتيازات من مؤسسات مرتبطة بالمرشد والحرس الثوري، تشكل أحد عوامل التماسك الداخلي للنظام، ما يجعل من الصعب أن تؤدي الضربات العسكرية وحدها إلى انهيار سريع في بنية السلطة".