تتصاعد في إسرائيل والولايات المتحدة مؤشرات صراع خفي داخل دوائر القرار، يتمحور حول تحميل رئيس جهاز "الموساد" ديفيد برنياع مسؤولية الإخفاق في تحقيق هدف إسقاط النظام الإيراني، في وقت كانت فيه التوقعات السياسية تتجه نحو نتائج سريعة للحرب، وهو ما فتح الباب أمام حملة انتقادات وتسريبات تبدو أقرب إلى تصفية حسابات داخلية منها إلى تقييم مهني بحت.
بداية هذه الحملة ظهرت عبر تسريبات إعلامية لافتة، أبرزها ما بثته القناة الـ12 الإسرائيلية، التي أشارت إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو "يدفع برئيس الموساد تحت العجلات" بسبب وعود لم تتحقق بشأن إسقاط النظام في طهران، في تعبير يعكس محاولة واضحة لتحميل برنياع مسؤولية تقديرات وُصفت لاحقًا بأنها مفرطة في التفاؤل.
هذا الخطاب لم يأتِ بمعزل عن تقارير أخرى، بعضها في الإعلام الأمريكي، تحدثت عن تزايد التساؤلات داخل دوائر صنع القرار حول سبب عدم تحقق أي اختراق فعلي نحو تغيير النظام رغم التصعيد العسكري.
في المقابل، تشير صحيفة "جيروزاليم بوست" إلى أن هذه الانتقادات قد تكون مدفوعة بدوافع سياسية، وأنها تتجاهل طبيعة العمل الاستخباراتي الذي يعتمد على تقديرات مشروطة وسيناريوهات متعددة، لا على وعود حاسمة.
وبحسب التقرير، فإن برنياع لم يطرح فكرة إسقاط النظام كحتمية، بل قدمها كاحتمال مرتبط بتوافر عوامل داخلية، مثل: تحريك المعارضة الإيرانية أو اندلاع احتجاجات واسعة يمكن البناء عليها.
ويذهب التقرير أبعد من ذلك، إذ يلمّح إلى أن مصادر هذه التسريبات قد تكون قريبة من مكتب نتنياهو أو من محيط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وربما أيضًا من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، في ظل تصاعد الضغط السياسي لمعرفة سبب عدم تحقيق نتائج ملموسة حتى الآن.
هذا التداخل بين السياسة والاستخبارات يعكس بيئة مشحونة، حيث يبحث كل طرف عن تبرئة نفسه من مسؤولية الفشل.
ورغم هذه الاتهامات، لا توجد مؤشرات واضحة على أن "الموساد" قدم تقييمًا يختلف جذريًّا عن باقي الأجهزة الأمنية، سواء في إسرائيل أو الولايات المتحدة، والتي تؤكد أن القوة العسكرية يمكن أن تخلق بيئة ضاغطة على النظام الإيراني، لكنها لا تضمن إسقاطه بشكل مباشر أو سريع. بل إن بعض التقارير يشير إلى أن برنياع كان من بين الأصوات التي دعت إلى الحذر، مؤكدًا أن أي تغيير جذري في إيران يحتاج إلى وقت وتراكم عوامل داخلية.
خلف هذا الجدل، يبرز خلاف أعمق حول الإستراتيجية المعتمدة. فبرنياع، وفق ما نقلته الصحيفة، يميل إلى نهج طويل الأمد يقوم على استنزاف النظام الإيراني تدريجيًّا، عبر ما يُعرف بإستراتيجية "التقطيع البطيء"، وهي مقاربة تستند إلى أدوات غير عسكرية، مثل: الضغوط الاقتصادية، والحرب السيبرانية، واستغلال نقاط الضعف الداخلية، بدلًا من التعويل على حسم سريع عبر القوة العسكرية.
هذا التباين بين الرؤية الاستخباراتية والحسابات السياسية يبدو جوهر الأزمة. ففي حين تبحث القيادات السياسية عن إنجازات سريعة يمكن تسويقها، تميل الأجهزة الاستخباراتية إلى تقديم تقديرات أكثر تحفظًا وتعقيدًا؛ ما يجعلها عرضة للاتهام عند عدم تحقق التوقعات.