بخطوات ثابتة وإيقاع مطرّد، تتوسع بكين في منطقة بحر الصين الجنوبي ساعية إلى بسط هيمنتها في المياه المتنازع عليها، فيما يُصوّب العالم اهتمامه وتركيزه على منطقة الشرق الأوسط وعلى الحرب الدائرة رحاها هناك.
أيام قليلة بعد إجراء الصين مُناورات عسكرية كبرى في بحر الصين الجنوبي، أثارت غضب مانيلا، أطلقت بكين حملة بناء جزر اصطناعية في المنطقة البحرية ذاتها، محوّلة شعابا كانت غير معروفة سابقا إلى أكبر قاعدة عسكرية لها في المياه المتنازع عليها.
أكبر قاعدة عسكرية
وفق "وول ستريت جورنال"، فإنّ أعمال البناء في شعاب "أنتيلوب" قد تمنح الصين مدرجا إضافيا للطائرات، ومزيدا من المنشآت الصاروخية ومحطات مُراقبة إضافية، كما يمكن أن تكون القاعدة بمثابة دعم احتياطي للوجود العسكري الصيني الحالي في المنطقة.
وتقع شعاب "أنتيلوب" في جزر "باراسيل"، وهي أرخبيل في الجزء الشمالي من بحر الصين الجنوبي، وتخضع بشكل كامل للسيطرة الصينية على الرغم من مطالبة فيتنام وتايوان بها.
وكشفت صور الأقمار الصناعية عن أعمال بناء في شعاب "أنتيلوب" شملت تشييد أرصفة ومهبطا للطائرات المروحية وهياكل ذات أسقف رمادية وخطا ساحليا جديدا لإنشاء مدرج للطائرات.
ونددت وزارة الخارجية الفيتنامية بأعمال البناء في شعاب "أنتيلوب"، مشددة على أنّ أي نشاط أجنبي في جزر "باراسيل" دون إذن منها يعدّ عملا غير قانوني.
فيما أشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إلى "أنّ أعمال البناء الضرورية على أراضينا تهدف إلى تحسين ظروف المعيشة والعمل على الجزر وتعزيز الاقتصاد المحلي".
وسبق أن أعربت واشنطن عن معارضتها بناء الصين للجزر الاصطناعية في بحر الصين الجنوبي، إذ قال الجنرال داريل كودل، رئيس العمليات البحرية في البحرية الأمريكية، إنّ هذا الأمر يجب أن يقلق جميع المهتمين بالقوانين الدولية لأنه لا يتماشى مع القواعد البحرية.
سعي صيني للسيطرة على المضائق
وفي قراءته لهذا المستجد العسكري الخطير، أشار الباحث المتخصص في الشأن الآسيوي أحمد صبري السيد علي، إلى أنّه من الطبيعي أن تحاول الصين فرض نفوذها في منطقة البحر الصيني باعتبارها منطقة مجالها الحيوي، مضيفا أنّ بناء قاعدة عسكرية في شعاب "أنتيلوب" يجعلها قريبة جدّا من القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.
وتابع علي، لـ"إرم نيوز"، أنّ هدف الصين الأساسي يكمن في السيطرة على المضائق القريبة منها، وعلى رأسها مضيق "تايوان" ومضيق "مالاقا"، وهُما مضيقان مهمّان جدّا في التّجارة الدّولية، إذ إنهما مرتبطان بمنطقة الشرق الأوسط والبحر الأحمر.
وأكّد أنّ السيطرة على المضائق باتت أولوية لدى الصين التي تسعى إلى تأمين سلاسل التوريد والممرات والطرق التجارية، وأنّ المشهد الحالي في بحر الصين الجنوبي بالإمكان اختزاله في عبارة "احتدام الصراع الأمريكي الصيني حول مضيقيْ "مالاقا" و"تايوان".
الصين تستغل الراهن الجيوسياسي
واعتبر علي أنّ تجرؤ الصين وإقدامها على هذه الخطوات العسكرية لافت ويستحق وقفة تحليلية وتفكيكية عميقة، لا سيما أنّها توقفت عقدا كاملا عن بناء الجزر الاصطناعية في المنطقة البحرية.
وأشار الباحث في الشأن الصيني إلى أنّ بكين استغلت عدّة عوامل، من بينها انشغال واشنطن بالمستجدات العسكرية في الشرق الأوسط، وأيضا – وهو الأهمّ- الاستراتيجيا الأمريكية الجديدة والمتمثلة في التركيز على الجزء الغربي من المعمورة واعتباره أولوية سياسية وعسكرية.
واستند إلى التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول مضيق هرمز، وإلى خطابات المسؤولين الأمريكيين حول "مشروع أمريكا الشمالية العظمى"، وهو مشروع ينطلق من جزيرة غرينلاند القطبية – التابعة للتّاج الدنماركي- ويمتدّ إلى المكسيك وخليج باناما والبحر الكاريبي.
وبيّن أن "السياسة الأمريكية الحالية تنكب على بسط السيطرة على تلك المنطقة الأمريكية الشمالية قبل التوجه إلى النصف الجنوبي من القارة؛ بهدف إنهاء الوجود والنفوذ الصيني والروسي".
وأضاف: من المنطقي والطبيعي أن تستغل بكين هذه العوامل، ومن الواضح أنّها بدأت تتجرأ أكثر وتتخذ إجراءات قوية، ومن المرجح أن يتواصل هذا المنحى التصعيدي إلى بلوغ هدف الاستيلاء التام على تايوان وإخضاعها لسلطتها.
واستشرف الباحث أن تفرض بكين على الشعب التايواني خيار عودة الجزيرة إلى الصين، إما عبر الاستفتاء وإما بالقوّة العسكرية، مشيرا في الوقت نفسه إلى أنّ المشهد برمته ينحو منحى فرض الصين سيطرتها على البحر الجنوبي، سواء من خلال بناء القواعد العسكرية أو من خلال تأمين وضعها في مواجهة الفلبين واليابان.