logo
العالم

"نوكيا فنلندا".. سلاح ترامب للوصول إلى ثروات غرينلاند

جزيرة غرينلاندالمصدر: منصة إكس

تجد الولايات المتحدة - القوة العظمى التي تهيمن على البحار والمحيطات - نفسها عاجزة تمامًا عن الوصول إلى المياه القطبية التي تخفي ثروات هائلة.

وبينما يعلن الرئيس دونالد ترامب طموحاته الواضحة في غرينلاند لمواجهة التمدد الروسي والصيني في القطب الشمالي، يكتشف أن بلاده لا تملك "السلاح السري" الذي لا يمكن الاستغناء عنه في سباق السيطرة على القطب الشمالي.

وقالت مجلة "ليكسبريس" الفرنسية إنه في ظل طموحات ترامب التوسعية، تستيقظ واشنطن على حقيقة مفجعة، وهي أن "أمريكا عاجزة عمليًا عن الإبحار نحو المياه القطبية".

وأوضحت المجلة أنه خلال 7 أشهر سنويًا، من أكتوبر إلى أبريل، حين يتجمد المحيط ويتصلب، تصبح كاسحات الجليد الوسيلة الوحيدة لضمان وجود حقيقي في المنطقة. لكن الولايات المتحدة لا تملك سوى ثلاث سفن من هذا النوع.

الأولى بلغت حدّها العمري الافتراضي، والثانية تعرضت لحريقين كبيرين عامي 2020 و2024، أما الثالثة فهي "غير ملائمة لاحتياجات خفر السواحل"، بحسب الخبراء.

التفوق الروسي-الصيني الساحق

هذا العدد يتضاءل أمام 42 كاسحة جليد روسية (8 منها تعمل بالدفع النووي، ما يمنحها خمس سنوات من الاستقلالية)، و12 كاسحة كندية، و7 فنلندية، و5 صينية يُتوقع أن يزداد عددها قريبًا.

والأخطر أن بكين أعلنت، في كتابها الأبيض "السياسة القطبية للصين" الصادر عام 2018، عزمها على "تكثيف وجودها" في المنطقة، بينما أعلن فلاديمير بوتين عن إطلاق أكبر كاسحة جليد في العالم عام 2030.

وقال ريكو-أنتي سوجانن، المستشار السابق للملاحة القطبية والخبير الحكومي الفنلندي، محاولًا وصف تأخر واشنطن بأدب: "لنقل إن الأمريكيين ليسوا أقوياء جدًا، وهم يعلمون ذلك؛ لهذا قرروا التعاون مع بلد صغير مثل بلدنا".

فنلندا.. احتكار عالمي وخبرة قرن كامل

أكد هاري ميكولا، من مركز الأبحاث المرموق "المعهد الفنلندي للشؤون الدولية"، أن "الولايات المتحدة قادرة على العمل في المنطقة القطبية جوًا وتحت الماء بفضل طيرانها وغواصاتها، لكن على سطح الماء هم في اللامكان".

وأضاف: "إذا أرادوا الحفاظ على وضعهم كقوة عظمى، فيجب أن يمتلكوا قدرة على الانتشار في المناطق القطبية".

والمشكلة أن أمريكا لم تبنِ كاسحة جليد منذ خمسين عامًا، ومحاولتها الأخيرة انتهت بفشل ذريع، بتكلفة ملياري دولار، دون خروج أي سفينة من أحواض بناء السفن.

في المقابل، تحتكر فنلندا الصغيرة (5.5 مليون نسمة) 80% من تصميم كاسحات الجليد العاملة في العالم، بما فيها "أسترولاب" التابعة للبحرية الفرنسية، و"كوماندان شاركو" التابعة لشركة "لو بونان" الفاخرة، القادرة على تحطيم جليد بسمك 2.5 متر (مقارنة بـ 1.5 إلى 1.8 متر للسفن الأخرى).

كما أن 60% من أصل مئة كاسحة جليد موجودة عالميًا بُنيت في أحد أحواض بناء السفن الفنلندية الثلاثة: هلسنكي، وتوركو، وراوما.

اتفاق "آيس باكت"

لذلك، وقّع ترامب في 9 أكتوبر 2025، مع الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، عقدًا لتصميم وتصنيع 11 كاسحة جليد، تُبنى 4 منها في فنلندا و7 في الولايات المتحدة.

هذه الشراكة الاستراتيجية، المسماة "آيس باكت" (ميثاق التعاون في كاسحات الجليد)، تشمل أيضًا كندا كموقّع ثالث، وتهدف إلى تمكين واشنطن من استعادة موطئ قدم في منطقة وصفها جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، بأنها "النقطة الضعيفة لحلف الناتو".

سرعة مضاعفة وتكلفة ثلث الأسعار

الاتفاق "مربح للطرفين"، بحسب "ليكسبريس". ففي فنلندا، وجد الأمريكيون خبراء قادرين على إنتاج سفن عالية الجودة "بسرعة مضاعفة وبتكلفة لا تتجاوز ثلث تكلفة أي دولة أخرى".

وستُبنى أولى هذه العملاقات البحرية في وقت قياسي — 30 شهرًا فقط — لتُسلّم قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2028.

من جانبهم، يعزز الفنلنديون علاقتهم المميزة مع واشنطن ويحصدون 6 مليارات دولار.

وقال أنتي ليينو، المتحدث باسم حوض "هلسنكي شيبيارد": "هذه بالتأكيد واحدة من أكبر عشر صفقات في تاريخ فنلندا. عندما أُعلن عن العقد في أكتوبر، تصدّر عناوين جميع وسائل الإعلام لمدة يومين. كل فنلندا كانت تتحدث عنه. حتى سائقو سيارات الأجرة كانوا ثرثارين بشأن آيس باكت".

جغرافيا قاسية صنعت التفوق

يشرح آرتو أوسكاليو، المهندس البحري ومدير التطوير في "آكر آركتيك"، سر التفوق الفنلندي قائلًا: "بلدنا هو الوحيد الذي تكون فيه 100% من الموانئ محاصرة بالجليد في فترة ما من الشتاء. وبما أن 90% من تجارتنا تتم عبر البحر، فإن هذه السفن كانت ولا تزال الحل الوحيد لفك عزلة البلاد ومواصلة تجارتنا عبر بحر البلطيق خلال الأشهر الشتوية".

هكذا أطلقت فنلندا أول كاسحة جليد لها، "فويما" (القوة)، عام 1924، أي بعد ربع قرن من روسيا التي دشنت الأولى في العالم عام 1898. ومنذ أكثر من قرن، ظلت هلسنكي في طليعة الابتكار، كما تشهد على ذلك كاسحة الجليد ذات البدن غير المتماثل والمروحة المحورية، المخترعة في التسعينيات، والتي تسمح بالدفع المائل وتحطيم نطاقات جليدية أعرض.

الأسطول العالمي سيتضاعف

في عام 2013، تحدث رئيس الوزراء الفنلندي آنذاك، يركي كاتاينن، عن الخبرة الفنلندية بتلاعب لفظي ذكي، مستبدلًا "know-how" بـ "snow-how" (خبرة الثلج)، مضيفًا: "القطب الشمالي سيكون نوكيا القادمة لنا"، في إشارة إلى شركة الاتصالات التي صنعت ثروة فنلندا مطلع القرن..  اليوم، يثبت أنه كان صاحب رؤية.

والأمريكيون أشاروا بالفعل إلى "إمكانية طلبيات إضافية"، بحسب الخبير الحكومي سوجانن، وقد يطلبون ما يصل إلى 40 كاسحة جليد إجمالًا، بينما يحتاج الكنديون 20. 

أخبار ذات علاقة

خلال استهداف تنظيم داعش في نيجيريا

من الكاريبي إلى خليج فنلندا.. 5 مناطق مشتعلة تهدد بإشعال حرب كبرى

وأضاف: "السوق تنفجر"، يحتفل أنتي ليينو، مؤكدًا أن الأسطول العالمي من كاسحات الجليد سيتضاعف خلال العقد المقبل.

ولأول مرة، اضطرت واشنطن إلى التنازل عن قانونها الحمائي "جونز آكت" الصادر عام 1920، والذي يفرض بناء السفن الأمريكية داخل الولايات المتحدة حصرًا.

وهكذا أصبحت فنلندا الصغيرة شريكًا لا غنى عنه في معركة القطب الشمالي، مثبتة أن الخبرة المتراكمة عبر قرن من الزمن، والضرورة الجغرافية القاسية، يمكن أن تحوّلا دولة صغيرة إلى لاعب عالمي لا يمكن تجاوزه، حتى من قبل أعظم قوة عسكرية في العالم.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC