logo
العالم

توزيع مراكز القوة.. هكذا ربحت الصين من حرب لم تنخرط فيها

العلم الصينيالمصدر: رويترز

ذكرت مجلة "فورين أفيرز" بأن الحرب الأمريكية على  إيران تحولت من أداة ضغط جيوسياسي إلى عامل يعيد توزيع موازين القوة العالمية، في اتجاه يمنح الصين مكاسب استراتيجية غير مباشرة، ويضع الولايات المتحدة في موقع تفاوضي أكثر هشاشة، خصوصاً قبيل أي محادثات مرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ.

أخبار ذات صلة

لقاء سابق بين ترامب وشي جين بينغ

توازن هش.. حرب إيران تعقد معادلة "القمة الأمريكية الصينية" المقبلة

وذكرت المجلة أن قرار ترامب تأجيل زيارته إلى بكين، التي كانت مقررة نهاية مارس، لم يكن مجرد تعديل دبلوماسي، بل عكس ارتباكاً في إدارة أولويات متداخلة، بعد أن تزامن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط مع ارتفاع أسعار الطاقة وعودة الضغوط على الاقتصاد الأمريكي، في مؤشر على صعوبة الجمع بين المواجهة مع إيران ومنافسة الصين في آنٍ واحد.

استنزاف عسكري يعيد ترتيب الأولويات

تشير المجلة إلى أن الحرب على إيران جاءت على حساب التمركز الأمريكي في آسيا، حيث اضطرت واشنطن إلى إعادة نشر أصول عسكرية متقدمة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" وأنظمة دفاع صاروخي عالية الكفاءة.

هذا التحول، بحسب التحليل، لا يقتصر على إعادة توزيع جغرافي للقوة، بل يحمل تكلفة استراتيجية أعمق، إذ تم سحب بعض هذه الأنظمة من كوريا الجنوبية، ما يرسل إشارات مباشرة إلى الحلفاء بأن الالتزامات الأمنية الأمريكية قابلة لإعادة الترتيب تحت ضغط الأزمات. كما أن استهلاك الذخائر والقدرات في مسرح عمليات بعيد عن المنافسة مع الصين يضعف قدرة الردع الأمريكية على المدى المتوسط.

مكسب استخباراتي صامت لبكين

في المقابل، ترى المجلة أن الصين حققت مكسباً نوعياً من الحرب دون أن تنخرط فيها، يتمثل في القدرة على مراقبة الأداء العسكري الأمريكي في بيئة قتالية حقيقية.

وتوضح أن هذه المراقبة تتيح لبكين فهماً أعمق لأنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية، ودورات اتخاذ القرار، واستخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية. مثل هذه المعطيات، وفق التحليل، يمكن أن تُترجم إلى تحسينات تكتيكية في أي مواجهة مستقبلية، سواء عبر زيادة كثافة الضربات أو تعديل توقيتها لاستنزاف الدفاعات الأمريكية.

صدمة هرمز… واختبار لقدرة الاقتصادات على التكيف
أدى إغلاق مضيق هرمز خلال فترات من الحرب إلى اضطراب غير مسبوق في تدفقات النفط، ما انعكس فوراً على الأسعار العالمية وسلاسل الإمداد. إلا أن تأثير هذه الصدمة لم يكن متساوياً بين القوى الكبرى.

فالصين، كما تورد المجلة، بنت خلال السنوات الماضية منظومة طاقة أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، تقوم على تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد النسبي على النفط في توليد الكهرباء، مقابل توسع كبير في الفحم والطاقة المتجددة والنووية.

كما تمتلك بكين احتياطيات نفطية تُقدّر بنحو 1.4 مليار برميل، وهي كمية تمنحها قدرة على تغطية فترات طويلة من الاضطراب، في وقت تتآكل فيه الاحتياطيات الاستراتيجية الأمريكية. 

ولفتت المجلة إلى أن هذه المخزونات، إلى جانب إمكانية زيادة واردات النفط من روسيا، تقلل من هشاشة الصين تجاه أي تعطّل في المضيق.

رافعة جيوسياسية
في سياق متصل، تشير المجلة إلى أن الحرب عززت الاتجاه العالمي نحو الطاقة البديلة، وهو ما يصب في مصلحة الصين التي تهيمن على سلاسل إنتاج البطاريات والألواح الشمسية وتوربينات الرياح.

فمع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في أسواق النفط، ينظر المستثمرون إلى الطاقة النظيفة كخيار أكثر استقراراً، ما رفع تقييمات الشركات الصينية في هذا القطاع. وبذلك، لا تقتصر مكاسب بكين على تقليل المخاطر، بل تمتد إلى توسيع حصتها في الأسواق العالمية المرتبطة بالتحول الطاقي.

الاقتصاد الأمريكي بين الإنتاج والتأثر
على الجانب الآخر، توضح المجلة أن الولايات المتحدة، رغم كونها منتجاً رئيسياً للنفط، لا تستطيع عزل اقتصادها عن تقلبات السوق العالمية، إذ يؤدي أي نقص في الإمدادات إلى ارتفاع الأسعار داخلياً.

وتضيف أن المستهلك الأمريكي كان أكثر عرضة لتأثيرات التضخم وارتفاع تكاليف النقل، مقارنة بالصين التي تعاني أساساً من ضعف في التضخم، ما يمنحها هامشاً أكبر للتعامل مع ارتفاع الأسعار. كما أن تباطؤ التحول نحو الطاقة البديلة داخل الولايات المتحدة يزيد من حساسية الاقتصاد لتقلبات النفط.

أخبار ذات صلة

 منجم خويماكاو للنحاس في بوتسوانا

حروب المعادن والمضائق.. محاولات أمريكية لخنق سلاسل التوريد الصينية

تآكل الثقة وفرص الصين 
في البعد الجيوسياسي، ترى المجلة أن الحرب أضعفت صورة الولايات المتحدة كشريك موثوق، خاصة في الشرق الأوسط، حيث دفعت حالة عدم اليقين بعض الدول إلى تبني سياسات أكثر توازناً بين واشنطن وبكين.

ولا تحتاج الصين، بحسب التحليل، إلى لعب دور أمني مباشر لتحقيق مكاسب، إذ يكفي أن تقدم نفسها كشريك اقتصادي مستقر. ومن المتوقع أن تستفيد من مرحلة ما بعد الحرب عبر توسيع استثماراتها في إعادة الإعمار والبنية التحتية، ما يعزز نفوذها طويل الأمد في المنطقة.

أوراق الضغط
تشير التقديرات إلى أن الصين ستدخل أي مفاوضات مقبلة مع الولايات المتحدة من موقع أقوى نسبياً، مستفيدة من استنزاف الموارد الأميركية وتراجع صورتها الدولية.

وتنقل تقارير دولية أن بكين قد تستخدم صفقات اقتصادية كبرى، مثل شراء طائرات، كأداة للحصول على تنازلات في مجالات حساسة، خاصة التكنولوجيا المتقدمة. مثل هذه الصفقات، إذا تمت، قد تمنح الصين مكاسب استراتيجية طويلة الأمد مقابل فوائد قصيرة الأجل لواشنطن.

تحول في موازين القوة
تخلص فورين أفيرز إلى أن الحرب على إيران لم تحقق هدفها في إضعاف الصين، بل على العكس، وفرت لها فرصة لتعزيز موقعها في النظام الدولي دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة.

وبينما تنشغل الولايات المتحدة بتداعيات الصراع وتحدياته الاقتصادية والعسكرية، تمضي بكين في تعزيز قدراتها الصناعية والتكنولوجية، مستفيدة من بيئة دولية تتسم بارتفاع عدم اليقين وتراجع الثقة في القيادة الأمريكية.

وفي هذا السياق، لا تبدو الحرب مجرد أزمة إقليمية، بل نقطة تحول أوسع تعيد رسم توازنات القوة، حيث تتحول الأخطاء الاستراتيجية إلى مكاسب غير مباشرة لخصوم أكثر انضباطاً في إدارة مصالحهم.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC