طرحت موسكو مقاربة جديدة تربط بين ساحتي أوكرانيا والشرق الأوسط، عبر عرض يقضي بوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إيران مقابل أن تتخذ واشنطن خطوة مماثلة تجاه كييف.
العرض، الذي كُشف عنه في سياق اتصالات غير مباشرة بين الجانبين، قوبل برفض أمريكي، ما أعاد تسليط الضوء على طبيعة الأدوات التي تستخدمها روسيا لإعادة صياغة ميزان التفاوض.
وتشير المعطيات إلى أن التعاون الاستخباراتي بين موسكو وطهران ليس وليد اللحظة، بل جاء ضمن أطر أوسع من التنسيق، خاصة فيما يتعلق برصد التحركات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.
وأكدت تقارير، أن إيران طلبت بالفعل معلومات من روسيا حول الأصول العسكرية الأمريكية، في وقت تحاول فيه واشنطن احتواء التوترات المتصاعدة في الخليج عبر إعادة نشر منظومات دفاعية.
ورغم تقليل الإدارة الأمريكية من خطورة هذا التعاون، بدت مؤشرات القلق واضحة في التحركات العسكرية، وكذلك في متابعة العواصم الأوروبية لهذا الملف، وسط مخاوف من ربطه بمسار الحرب في أوكرانيا.
وفي المقابل، حرصت موسكو على نفي أي دور مباشر يتجاوز حدود التعاون التقليدي، في محاولة لتفادي تحميلها مسؤولية توسيع رقعة التوتر.
ويعكس الطرح الروسي محاولة لاستخدام أوراق ضغط متعددة في آن واحد، حيث يتقاطع البعد العسكري مع الحسابات الاقتصادية والجيوسياسية، خاصة في ظل استمرار الحرب واستنزاف الموارد.
وبين رفض أمريكي وتحفظ أوروبي، تبقى هذه المقايضة مؤشرًا على تحول في طبيعة الصراع، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على الميدان الأوكراني، بل امتدت إلى شبكات النفوذ والتحالفات غير المباشرة، في مشهد يعيد طرح تساؤلات حول حدود استخدام الأوراق الإقليمية في معركة كبرى لم تُحسم بعد.
ورأى المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية محمود الأفندي، أن الحديث عن استخدام روسيا للتعاون الاستخباراتي مع إيران كورقة مساومة في الحرب الأوكرانية "يفتقر إلى الدقة"، مشددًا على أن ما يجري يأتي في إطار اتفاقية تعاون استراتيجي موقعة رسميًا بين البلدين ومسجلة دوليًا، وتتضمن نصوصًا واضحة تلزم الطرفين بتبادل المعلومات في حال التعرض لأي عدوان.
وأضاف في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن هذا التعاون لا يقتصر على الجانب العسكري المباشر، بل يشمل نطاقًا أوسع من التنسيق الاستخباراتي، يتضمن معلومات لوجستية دقيقة حول تحركات القوات وأنماط الهجمات ورصد الغارات الجوية، إلى جانب متابعة التحركات الأمريكية والبحرية عبر الأقمار الصناعية.
وأشار الأفندي، إلى أن هذا النوع من التعاون يعد ممارسة طبيعية بين الدول المرتبطة باتفاقيات دفاعية، ولا يمكن اعتباره تدخلًا مباشرًا في صراعات إقليمية.
وأوضح أن الحديث عن توجيه روسيا أهدافًا لإيران غير دقيق، في ظل امتلاك طهران قدرات عسكرية وصاروخية متقدمة، خاصة في مجال الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، بما يمنحها قدرة مستقلة على تحديد أهدافها وتنفيذ عملياتها دون توجيه خارجي.
وأضاف الأفندي، أن تصوير هذا التعاون على أنه محاولة لربط الحرب في أوكرانيا بتطورات الشرق الأوسط يعكس توجهات إعلامية تسعى إلى خلط الملفات والتأثير على مواقف واشنطن.
وأشار إلى أن روسيا تلتزم بالأطر القانونية الدولية في تحركاتها، وأن ما يُثار بشأن تدخل مباشر أو إدارة عمليات لصالح إيران لا يستند إلى وقائع حقيقية، بل يدخل في سياق تضخيم إعلامي لا أكثر.
من جانبه، رأى خبير العلاقات الدولية مهند رضوان، أن العلاقة بين روسيا وإيران لا يمكن وصفها في الوقت الحالي بأنها تحالف استراتيجي، موضحًا أنها أقرب إلى شراكة نفعية تسعى موسكو من خلالها إلى تحقيق مكاسب متعددة في سياق صراعها مع الغرب.
وأشار رضوان في تصريح لـ"إرم نيوز"، إلى أن روسيا تستفيد من التوتر القائم بين إيران والولايات المتحدة في تشتيت تركيز واشنطن عن الحرب في أوكرانيا، بما يؤدي إلى إعادة توزيع الموارد الأمريكية سياسيًا وعسكريًا.
واعتبر أن هذا التوتر يمنح موسكو أيضًا مزايا اقتصادية، خاصة في سوق الطاقة، حيث يتيح التصعيد في مضيق هرمز هامشًا أوسع لتحرك النفط الروسي وتحسين عوائده.
ولفت رضوان، إلى أن بعض الطروحات التي قدمها مقربون من الكرملين تضمنت مقايضات مباشرة، من بينها وقف الدعم الاستخباراتي الروسي لإيران مقابل تقليص الدعم الأمريكي لكييف، إلى جانب مقترحات تتعلق بإدارة ملف اليورانيوم الإيراني، إلا أن هذه المبادرات قوبلت برفض أمريكي.
وأضاف أن موسكو باتت تنظر إلى طهران كورقة ضغط أكثر من كونها شريكًا استراتيجيًا، خاصة بعد نجاحها في تقليل اعتمادها على الطائرات المسيرة الإيرانية عبر توطين صناعتها العسكرية.
وأشار رضوان، إلى أن إيران في المقابل أصبحت أكثر احتياجًا للدعم الاستخباراتي الروسي، وهو ما يعكس تحولًا في توازن العلاقة بين الطرفين.
وأكد أن روسيا توظف هذه الورقة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى الضغط على الولايات المتحدة ودفعها نحو تسوية في الملف الأوكراني عبر أدوات غير مباشرة تتجاوز ساحة الصراع التقليدية.