تدخل المفاوضات الثلاثية بين واشنطن وموسكو وكييف في حالة من الجمود المؤقت، خاصة بعد تحول بوصلة الاهتمام الدولي نحو الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي انعكست بشكل مباشر على مسار الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
وفي هذا السياق، صعّد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من مطالبه، داعيًا إلى تحديد "مواعيد واضحة" لاستئناف المحادثات، في محاولة لإعادة الزخم إلى مسار تفاوضي تعثر خلال الأشهر الماضية.
التصريحات الأوكرانية جاءت بالتزامن مع تحركات دبلوماسية في واشنطن، حيث يسعى المفاوضون الأوكرانيون إلى تثبيت إطار زمني جديد، بعد فشل جولات سابقة في تحقيق اختراق، خاصة في ظل استمرار الخلافات الجوهرية حول ملف الأراضي.
وفي ظل هذا التشابك، تبدو المفاوضات رهينة لتوازنات تتجاوز أطرافها المباشرة، خاصة أن المسار الأوكراني أصبح يتداخل الآن مع حسابات كبيرة تتعلق بإيران والطاقة والنفوذ الدولي.
ويبقى السؤال بعد تجميد المحادثات أو توقفها المؤقت: من يكسب وقت التأجيل؟
يقول خبير العلاقات الدولية، د. محمد عثمان، إن اندلاع الحرب المرتبطة بإيران وتحولها إلى صراع إقليمي واسع أعاد ترتيب أولويات القوى الكبرى، والتي انعكست على مسار الحرب الروسية الأوكرانية، خاصة في الجانب السياسي والتفاوضي.
وأوضح عثمان، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن كييف حاولت استثمار هذه التحولات عبر إعلان اصطفاف واضح إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، وعرضت تقديم دعم تقني في مواجهة الطائرات المسيّرة الإيرانية، مستفيدة من خبرتها الميدانية؛ بهدف دفع واشنطن إلى تبني موقف أكثر قربًا من الطرح الأوكراني في مفاوضات التسوية مع موسكو.
وأضاف أن هذه الخطوة لم تحقق نتائج ملموسة، في ظل استمرار الإدارة الأمريكية في إدارة الملف الأوكراني وفق حساباتها الاستراتيجية الخاصة.
وأشار عثمان إلى أن موسكو تتعامل بحذر مع الأزمة الإيرانية، نظرًا لأهمية طهران في معادلات النفوذ الروسي، إذ إن أي إضعاف لها يمثل خسارة جيوسياسية في الشرق الأوسط وحوض بحر قزوين.
ولفت عثمان إلى وجود مؤشرات على دعم استخباراتي روسي محدود لإيران لتعزيز قدرتها على الصمود، بالتوازي مع استفادة موسكو اقتصاديًا من ارتفاع أسعار الطاقة وتخفيف القيود على صادراتها النفطية.
وقال عثمان: "روسيا تحاول توظيف الورقة الإيرانية كورقة تفاوض غير مباشرة، عبر طرح مقايضات تتعلق بتقليص دعمها لطهران مقابل خفض الدعم الأمريكي لكييف، وهو ما قوبل بالرفض".
وأكد أن الحرب في الشرق الأوسط زادت من تعقيد المسار التفاوضي بين موسكو وكييف، وأعادت توزيع الأولويات الدولية، بما يفتح المجال أمام كل طرف لمحاولة توظيف الأزمة من دون تحقيق مكاسب حاسمة حتى الآن.
من جانبه، قال المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، د. سمير أيوب، إن أزمة المفاوضات لا ترتبط بغيابها بقدر ما ترتبط بغياب الإرادة الحقيقية لدى كييف، التي اعتادت استخدام هذا المسار كأداة لإطالة أمد الصراع، انطلاقًا من قناعتها بأن الدعم الأوروبي والغربي كفيل باستنزاف روسيا على المدى الطويل.
وأضاف أيوب، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن تصريحات زيلينسكي الأخيرة تعكس حالة امتعاض متزايدة من تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الأوكرانية، خاصة في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب على إيران، مشيرًا إلى أن محاولاته عرض تقديم دعم عسكري وتقني للولايات المتحدة تأتي في إطار رسائل سياسية تستهدف كسب موقف أمريكي أكثر دعمًا، والتأثير في توجهات الإدارة الأمريكية.
وأوضح أيوب أن هذا الطرح لا يعكس بالضرورة قدرات عسكرية حقيقية، إذ لو كانت أوكرانيا تمتلك تلك الإمكانات لكانت استخدمتها في مواجهة روسيا، لكنه يعكس حاجة سياسية ملحة في ظل تراجع الزخم الدولي.
ولفت إلى أن كييف تتابع بقلق التوتر المتصاعد بين واشنطن وحلف شمال الأطلسي، واحتمالات إعادة تقييم الدعم الأمريكي.
وأكد أيوب أن أي تقليص في هذا الدعم سيصب مباشرة في مصلحة موسكو، التي تواصل تحقيق تقدم ميداني رغم انشغال العالم بأزمات أخرى، مشيرًا إلى أن إطالة أمد الصراع المرتبط بإيران قد تستنزف الولايات المتحدة وتحد من قدرتها على الحسم في أوكرانيا.
وأضاف أن تصاعد الأزمات العالمية، خاصة تلك المرتبطة بالممرات البحرية وإمدادات الطاقة، يدفع بالأزمة الأوكرانية إلى مرتبة أقل أولوية على الساحة الدولية، وهو ما يفرض واقعًا تفاوضيًا أكثر تعقيدًا وتشابكًا.