لا شيء تغير في موعد أو جدول زيارة العاهل البريطاني، الملك تشارلز، التاريخية إلى الولايات المتحدة، وفق مسؤول كبير في البيت الأبيض.
وتأتي زيارة الملك تشارلز إلى الولايات المتحدة للاحتفال بالعام مائتين وخمسين على ميلاد الولايات المتحدة، واستقلالها عن الاحتلال البريطاني.
وجاء تصريح المسؤول الكبير في البيت الأبيض ردًا على تكهنات واسعة سادت العاصمة واشنطن، حول احتمال إلغاء الزيارة، أو تأجيلها لوقت لاحق، بسبب الهجوم المسلح الذي شهده الاحتفال السنوي لجمعية مراسلي البيت الأبيض، فجر الأحد، وما قد يفرضه من تغييرات على الاحتياطات الأمنية الخاصة بنشاط الرئيس دونالد ترامب.
الملك تشارلز والملكة كاميليا منتظران في العاصمة واشنطن بين ساعة وأخرى اليوم الاثنين، في زيارة تستمر لأربعة أيام.
وهذه الزيارة هي الأولى من نوعها منذ ما يقارب العقدين، بعد آخر زيارة ملكية كانت قد قادت الملكة الراحلة إليزابيث إلى واشنطن في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن.
ومن المتوقع أن تشهد هذه الزيارة جلسات نقاش خاصة بين ترامب والملك تشارلز، وكذلك مأدبة عشاء على شرف ضيف البيت الأبيض، إضافة إلى خطاب الملك أمام الكونغرس.
وهناك محطات أخرى ستكون على أجندة زيارة الملك تشارلز، منها تلك الزيارة التي سوف تقوده إلى ولاية فرجينيا المجاورة للعاصمة واشنطن، والتي توجد بها أول مستوطنة بريطانية أقيمت على أراضي الولايات المتحدة، وكذلك زيارة مماثلة إلى مدينة نيويورك.
هناك الكثير من الأسئلة التي لا تزال حتى الآن من دون إجابات واضحة من البيت الأبيض، منها ما إذا كانت مشاركة ترامب في المحطات الخارجية لزيارة الملك تشارلز قائمة، أم أن هناك تعديلاً على فقراتها بعد حادثة الهجوم داخل فندق واشنطن هيلتون.
وقال دبلوماسيون مخضرمون في واشنطن إن الفكرة الأساسية حاليًا هي إظهار التزام البيت الأبيض ببرنامجه المسطر سلفًا، وعدم إظهار أي تراجع أمام هذا النوع من التهديدات التي تستهدف كبار مسؤولي الإدارة.
هذا الأمر إذا تم اعتماده، من شأنه أن يرسل رسالة في الاتجاه الخاطئ بالنسبة لمن يرغبون في التأثير على صورة الولايات المتحدة.
وبالمرحلة الحالية، فإن تمسك الجانبين البريطاني والأمريكي بالإبقاء على جدول الزيارة بالصيغة الأصلية، هو التصرف السليم في أعقاب الهجوم، لأنه يرسل رسالة واضحة ومحددة في جميع الاتجاهات الداخلية والخارجية تؤكد على أن الإدارة ماضية في برنامجها، وأن هذا النوع من الأحداث لن يؤثر على خططها الحالية لخدمة البلاد، وحماية مصالح الأمريكيين.
وليس سرًا الحديث في واشنطن عن أزمة عميقة تهز العلاقات الأمريكية البريطانية في العام الأول من ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية.
ولم تخل الولاية الرئاسية الأولى لترامب في البيت الأبيض من بعض الهزات في العلاقة مع الحليف التقليدي والتاريخي فيما وراء الأطلسي، بريطانيا.
وحتى إن كانت الولاية الثانية لترامب قد بدأت بزيارة دولة تاريخية إلى المملكة المتحدة، في سبتمبر/ أيلول الماضي، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لظهور سلسلة طويلة من الاضطرابات في علاقات واشنطن ولندن، ليس بسبب أزمة الرسوم الجمركية وحدها، ولكن كذلك بسبب اختلاف وجهات النظر كليًا فيما يتعلق بأزمة الجزيرة الدنماركية "غرينلاند"، وهي المسألة التي عرضت منسوب الثقة الأمريكي - الأوروبي إلى واحد من أكبر اختباراته في التاريخ الحديث.
الخلاف البريطاني مع إدارة ترامب لم يقف عند تلك الأزمة وحدها، بل امتد إلى خلافات أخرى جوهرية تتعلق بالحرب في أوكرانيا، حيث يقف الطرفان عند نقطة فاصلة من استمرار دعم أوكرانيا، أو فتح صفحة جديدة مختلفة مع موسكو في المرحلة المقبلة.
كل ذلك كان يوصف بأنه جزء من النقاش التقليدي الذي ينتهي عادة بتصفية الأجواء والعودة إلى المسار الطبيعي للعلاقات الثنائية، قبل أن ينفجر الخلاف الكبير بين الجانبين في الحرب الحالية ضد إيران.
لقد رفض رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، أن يكرر سيناريو رئيس الوزراء السابق توني بلير بتقديم الدعم الكامل للولايات المتحدة في حربها على العراق مطلع الألفية الحالية، واختار بدلًا من ذلك أن يقف على مسافة بعيدة عن قرار ترامب بالدخول في حرب على إيران.
ولم يكتف ستارمر بذلك، بل رفض الانضمام إلى العمليات العسكرية التي تنفذها الولايات المتحدة ضد إيران، وكذلك التدخل العسكري المباشر لحل أزمة مضيق هرمز، وذهب إلى أبعد من ذلك عندما قرر عدم السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية البريطانية في هجماتها على إيران قبل أن يحدث تراجعًا جزئيًا عن ذلك.
وسط هذه الموجة من الخلافات المتجددة بين الطرفين، لم تتوقف في الاتجاهين سلسلة التصريحات اللفظية الحادة بين ستارمر وترامب، وكلاهما لم يخف خيبته من الآخر، ومن تراجع طبيعة التحالف التاريخي والتقليدي بين لندن وواشنطن، لكن ذلك لم يخفف من حدة الخلاف، كما لم يغير شيئًا من جوهر تصادم الرؤية الاستراتيجية بين الحكومتين في المرحلة الحالية.
ينظر لزيارة الملك إلى واشنطن في هذا التوقيت، على أنها فرصة جيدة لتجاوز مرحلة معقدة من الخلافات بين ضفتي الأطلسي.
الملك تشارلز لايزال يحتفظ بعلاقة ود واضحة مع الرئيس ترامب، وهو صاحب سلطة أعلى من السياسيين في بريطانيا، إضافة إلى أنه سيكون بالولايات المتحدة للاحتفال بتاريخ ممتد من العلاقات الأمريكية البريطانية لمدة قرنين ونصف من الزمن.
ولم تكن هذه الفترة من التاريخ في حالة ربيع دائم، بل شهدت الكثير من الأحداث والتقلبات، منها حرق قوات الاحتلال البريطاني للبيت الأبيض، ولكن في كل مرة كانت لندن وواشنطن تعرفان جيدًا كيف تجدان الطريق لإعادة رسم تحالفهما التاريخي والثابت.
هذه الكلمات مقتبسة من خطاب للرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، في زيارته للعاصمة البريطانية خلال ولايته الرئاسية الأولى، وفي حضور الملكة الراحلة.
وهناك رهان كبير على دور الملك تشارلز في هذه اللحظة التاريخية القلقة في العلاقات الثنائية، خاصة أن أبرز محطات زيارته ستكون خطابه المرتقب على نطاق واسع أمام الجلسة العامة للكونغرس، وهي منصة لا تفتح عادة سوى للرئيس الأمريكي لإلقاء خطاب حالة الاتحاد السنوي، أو كبار الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة.
لا يخفي الرئيس ترامب افتخاره بجذور والدته الأسكتلندية، وقد عبر عن ذلك خلال زيارة الدولة التي قادته إلى المملكة المتحدة العام الماضي، عندما قال إن والدته كانت تحب الملكة الراحلة إليزابيث.
يقول زوار ترامب في منتجعه العائلي "مارلاغو" بولاية فلوريدا، إنه يحتفظ في قاعة استقبال زواره في المنتجع بصورة للملكة إليزابيث، وهي إشارة يرى فيها المقربون تعبيرًا عن الإعجاب والتقدير، كما أنها استمرار لتلك المشاعر الطيبة التي حملتها الأم الأسكتلندية الأصول لصاحبة التاج البريطاني.
هذه المشاعر الشخصية والافتخار بالعلاقة العائلية بالمملكة لم تمنع من اندلاع أزمة الاختلاف في وجهات النظر بين ترامب وكبار مسؤولي المملكة في ولايتيه الرئاسيتين، وإن كان الأمر أكثر وضوحًا خلال العام الأول من الولاية الرئاسية الثانية.
وهناك رهان حقيقي على أن ينجح الملك تشارلز في تهدئة عواصف الخلاف بين ضفتي الأطلسي خلال هذه الزيارة، وإعادة دفة الحوار مع الحكومة البريطانية إلى خطها التقليدي القائم على الحوار بين الجانبين، حتى في تلك اللحظات الصعبة التي لم يخل منها تاريخ البلدين عبر فترة القرنين ونصف القرن من الزمن.
هكذا يقول متفائلون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي داخل مبنى الكونغرس، وهم يعبرون عن تطلعهم لسماع خطاب الملك تشارلز تحت قبة مبنى الكابيتول، وهي الزيارة الأولى له بصفة الملك إلى الولايات المتحدة.