في وقت تدخل الضربة العسكرية الأمريكية المرتقبة ضد إيران مرحلة الحسم، تختبر في الآن ذاته صلابة التحالفات المعقودة بين طهران وبريتوريا، الأخيرة التي تعيش أيضا أزمة حادة مع واشنطن.
قبل أسابيع قليلة أثار وجود سفن إيرانية وصينية وروسية قبالة سواحل كيب تاون أزمة على أعلى مستويات جنوب إفريقيا، زعم خلالها الرئيس سيريل رامافوزا أنه عارض مشاركة إيران وسط موجة قمع في طهران.
وقد كان لوجود سفن إيرانية، سبب في إشعال فتيل الغضب في الخارج، وخلق توتر وصل إلى أعلى مستويات الحكومة الجنوب أفريقية.
وتُتهم جنوب أفريقيا، التي تدّعي اتباع سياسة "عدم الانحياز"، بازدواجية المعايير فيما يتعلق بحقوق الإنسان، إذ تتناوب بين جهودها لإدانة الجرائم المرتكبة في قطاع غزة وصمتها حيال تصرفات طهران أو موسكو. فعلى سبيل المثال، عندما صوّت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 23 يناير على قرار يدين القمع الدموي لحركة الاحتجاج الإيرانية، امتنعت بريتوريا عن التصويت.
وحسب ثاني أكبر حزب في البلاد، وهو التحالف الديمقراطي المنتمي إلى الائتلاف الحاكم ولكنه لا يملك أي نفوذ على خيارات السياسة الخارجية فإن "عدم الانحياز لا يعني اللامبالاة الأخلاقية، ولا يبرر التواطؤ السلبي" وفق تعبير الحزب.
وقد يؤدي الصراع بين الولايات المتحدة وإيران إلى توسيع نطاق المتأثرين بالعقوبات العالمية بشكل جذري، مما يضع جنوب أفريقيا مباشرة داخل دائرة تأثير الامتثال.
واستشهد الرئيس دونالد ترامب بالعلاقات التجارية والدبلوماسية الدائمة بين بريتوريا وطهران كمبرر لفرض تعريفات جمركية بنسبة 30% على البضائع الجنوب أفريقية.
وقد تم التأكيد على هذه العلاقات في أغسطس 2025، عندما سافر رئيس أركان الجيش الجنوب أفريقي، الجنرال رودزاني مافوانيا، إلى طهران للتعهد بدعم بلاده؛ وهي رحلة قال الرئيس سيريل رامافوزا إنه لم يكن على علم بها.
وأثار الجنرال رودزاني مافوانيا، ضجةً خلال زيارةٍ إلى إيران، حيث أشاد بحرارةٍ بالعلاقات الوثيقة بين البلدين، في الوقت الذي كانت فيه بريتوريا تسعى جاهدةً لاسترضاء الولايات المتحدة.
في حين أن فصيلاً من حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، الحزب الحاكم منذ نهاية نظام الفصل العنصري، لا يزال على علاقة وثيقة بإيران أو روسيا لأسباب أيديولوجية، فإن صحيفة "بيزنس داي" تشعر بالقلق أيضا إزاء عدم الاتساق الذي أظهرته جنوب أفريقيا، وتعتبر أنه "من الضروري" أن "تتواءم سياستنا الخارجية مع سياساتنا المتعلقة بالأمن القومي والتجارة والاقتصاد".
لكن ما يعكس هشاشة التحالف الإيراني الجنوب أفريقي، الخلافات الداخلية في جنوب أفريقيا وتباين الروايات على أعلى مستويات الحكومة. ففي 21 يناير/ كانون الثاني، عندما سأله الصحفيون، بدا أن الرئيس سيريل رامافوزا يحاول إلقاء اللوم على بكين، التي كانت "مسؤولة عن تنظيم هذه التدريبات وتوجيهها وتنفيذها ودعوة مختلف الدول للمشاركة".
ومع ذلك، يؤكد الزعيم الجنوب أفريقي أنه "أثار قضية إيران مع الصين، مقترحاً أنه من الأفضل لإيران الانسحاب وعدم المشاركة".
ذهب المتحدث الرئاسي فينسنت ماغوينيا إلى أبعد من ذلك، مصرحاً لموقع "ديلي مافريك" الإخباري الجنوب أفريقي بأن "تعليمات" قد صدرت من الرئيس رامافوزا، وأنه "تم التوصل إلى اتفاق مع جميع الأطراف" لاستبعاد طهران من المناورات. كما أكد وزير الدفاع أن هذه التعليمات "أُبلغت بوضوح إلى جميع الأطراف المعنية، وتم الاتفاق عليها، وبالتالي يجب تنفيذها واحترامها".
لكن تم تجاهل الأوامر وتتساءل الصحافة الجنوب أفريقية عن المبادرات المحتملة التي اتخذها مسؤولون في الجيش، والذين ربما تصرفوا دون تنسيق مع السلطات.
ويوضح معهد الدراسات الأمنية في بريتوريا، أن "القيادة العليا للقوات المسلحة في جنوب أفريقيا تتألف من أعضاء سابقين في أومخونتو وي سيزوي (الجناح المسلح للمؤتمر الوطني الأفريقي خلال النضال ضد نظام الفصل العنصري)".
ويضيف: "بدافع من الحنين إلى الماضي الثوري، فإنهم بطبيعة الحال أكثر ميلاً إلى تبني مواقف معادية للغرب، وهو ما قد يكون له دور في ذلك". من جانبه، يرى المحلل العسكري الجنوب أفريقي هيلمود-رومر هيتمان احتمالاً آخر: وهو أن الحكومة "أدركت فجأة أن كل هذا لم يكن فكرة صائبة، وأنها تبحث بيأس عن كبش فداء".