عراقجي يقول إن طهران توصلت مع واشنطن إلى "مبادئ توجيهية" لنص اتفاق

logo
العالم

مفاوضات معقدة.. هل تلعب إيران ورقة "القنبلة البيضاء" لإغراء ترامب؟

منجم ليثيوم في إيرانالمصدر: إرنا

فيما تتركز أنظار العواصم الإقليمية والدولية الكبرى على الجولة الثانية من المفاوضات الإيرانية الأمريكية غير المباشرة التي انتهت مساء اليوم في جنيف، يرى متابعون للشأن الإيراني أنّ طهران قد تلعب ورقة "القنبلة البيضاء" ممثلة في المعادن النادرة والثمينة، ضمن مفاوضاتها الشاقة مع واشنطن.

أخبار ذات علاقة

الوفد الإيراني أثناء وصوله العاصمة الإيرانية مسقط

طهران تعيد رسم الخريطة النووية.. الاقتصاد كـ"جائزة" لتخفيف ضغوط واشنطن

وتشير مصادر إعلامية مطلعة على تفاصيل المحادثات، إلى أنّ طهران تبدي مرونة معتبرة في المفاوضات، حيث إنّها أصبحت منفتحة على خيارات سياسية كانت بالأمس القريب خطوطا حمراء لا يمكن المساس بها أو الاقتراب منها.

تغيير في اللهجة

وباتت التصريحات الرسمية الإيرانية تصب في خانة الموافقة على تخفيض معدلات تخصيب اليورانيوم من نسبة 60 % إلى 6 أو 4 %، وهو معدّل تخصيب بدائيّ تجاوزته إيران منذ عقود طويلة.

ولئن كانت المقاربة الأمريكية من هذا الملفّ متجسدة في اشتراط "التخصيب الصفري لليورانيوم"، مدفوعة بتحريض إسرائيلي واضح على ضرورة تفكيك البنية التحتية النووية، فإنّ الرؤية الإيرانية باتت واقعية بشكل ملحوظ، حيث تجاوزت طهران سرديات التناقض الإيديولوجي ومنطق الخطابات الحماسية التي اتضح عدم نجاعتها في الحروب المباشرة.

وتؤكد جهات مطلعة على ملف المحادثات أنّ طهران أبدت موافقتها على إغلاق كامل للأنشطة النووية في منشأة "فوردو" المحصنة والتي تلقت ضربات عسكرية أمريكية اختلفت التقديرات في مدى نوعيتها وتمكنها من إنهاء العمل في المنشأة.

كما تفيد بأنّ طهران جاهزة لنقل أجهزة الطرد المركزي المتطورة إلى مخازن تحت رقابة الوكالة الدولية، مع استعداد تام وفوري لتخفيف مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى أقل من 5 %.

في المقابل، تريد إيران رفع العقوبات الاقتصادية القاسية المسلطة على البنك المركزي الإيراني والسماح لشركة النفط الوطنية بالوصول إلى نظام "سويفت" المالي.

أمّا في ملف الصواريخ الباليستية، فإنّ النقاش ما زال دائرا حول مدى هذه الصواريخ وقوّتها وقدرتها التدميرية، حيث تشدد إسرائيل على ضرورة أن يكون مداها قصيرا وألا يتجاوز الجوار الإقليمي الملاصق لإيران، في أقصى تقدير ممكن.

"القنبلة البيضاء"

وبعيدا عن ملف النووي والباليسيتي، تؤكد مصادر مطلعة على سير المفاوضات، أنّ إيران دفعت بورقة اقتصادية استثمارية رابحة، في محادثاتها مع واشنطن.

وتفيد المصادر بأنّ إيران تطرقت لأول مرة إلى الاستثمارات الأمريكية الممكنة في ملف المعادن النادرة والثمينة في إيران، وهو ملف تدرك طهران أنّه استراتيجي بالنسبة لواشنطن في حربها الاقتصادية ضدّ بكين، وتعرف يقينا أنّه قد يثير غضب وحفيظة الصين ضدّها. 

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

المعادن النادرة.. ترامب يعلن "خطوات استثنائية" لتأمين احتياجات أمريكا

ووصف الخبراء "التعاون الأمريكي الإيراني الممكن في ملف المعادن الثمينة والنادرة"، بالمقامرة الإيرانية الخطيرة، فلئن كان "الاستحقاق التعديني" يشكل أولوية لدى إدارة ترامب، الأمر الذي من شأنه تيسير التفاهم بين واشنطن وطهران، فإنّ هذه الورقة تجسد في العُرف الصيني خطرا قوميا أمنيا قد يعصف بالعلاقات الثنائية وقد يفتح صفحة من الخلافات بين العاصمتين.

وكشفت مصادر على اطلاع تام بالمحادثات أنّ إيران تدفع نحو تفاوض شامل قصد التوصل إلى "اتفاق تاريخي" مع أمريكا، يبدأ من النووي والباليستي، ويمرّ بمشاريع الطاقة (الغاز والنفط)، ولا ينتهي عند المعادن النادرة والثمينة.

كعكة إيران التعدينية

وفي وقت سابق من السنة الفائتة، جرى الإعلان عن اكتشاف منجم "همدان" الذي يقدر احتياطه من مادة الليثيوم بـ 8.5 مليون طن متري، ما يجعل إيران ثاني أكبر احتياطي لليثيوم في العالم بعد تشيلي، متجاوزة بمراحل كبرى أستراليا.

وإلى جانب الليثيوم، تمتلك إيران مخزونات ضخمة من المعادن النادرة والثمينة التي تعدّ "عصب" صناعة الدفاع العسكري والرقائق الإلكترونية والسيارات الكهربائية والهواتف النقالة الذكية والحواسيب المحمولة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. 

أخبار ذات علاقة

دونالد ترامب

مع تنامي التنافس على المعادن.. ترامب يلتقي 5 رؤساء من آسيا الوسطى

وتتركز في مناطق شمال شرق إيران، رمال "المونازيت" وهي أساس مواد النيكل والنحاس. ووفق تقديرات عام 2026، فإنّ من المتوقع أن يصل سعر طن النحاس إلى 12.000 دولار نتيجة العجز العالمي المتوقع، وفي هذا الملف بالضبط تُسوق إيران نفسها كضامنة لسد هذه الفجوة.

ووفقا لبيانات منظمة الاستثمار والمساعدة الاقتصادية والتقنية الإيرانية لسنة 2026، فإنّ إيران تُعد واحدة من أغنى 15 دولة تعدينية في العالم، إذ تقدر القيمة الإجمالية للموارد بنحو 28 تريليون دولار، ويبلغ حجم الاحتياطات المؤكدة 57 مليار طن من 68 نوعا مختلفا من المعادن.

وتحتل إيران المرتبة السادسة عالميا في إنتاج الزنك، والسابعة في النحاس، والتاسعة في خام الحديد.

وحيال كلّ ما تقدّم، لم يتردد الوفد المفاوض في طرح ملفات "التعاون التعديني"، محوّلا النقاش من مجالات ذات طابع فني عسكري إلى مجالات استثمارية جيوسياسية، وهي الأبعاد التي يفضلها الرئيس دونالد ترامب في أيّ نقاش.

في هذا المفصل بالذات، تُشير المصادر السياسية المطلعة إلى أنّ الوفد الإيراني لم يمانع في مبدأ التعاون مع واشنطن في المعادن النادرة والثمينة، من زاوية أنّ طهران التي تمتلك هذه الموارد الثمينة والنادرة لا يمكنها استخراجها بالكميات الاحتياطية الضخمة بالنظر للعقوبات التقنية والفنية المسلطة عليها أمريكيا.

وفي حال رفعت واشنطن شيئا من مصفوفة العقوبات الفنية والتقنية المفروضة عليها، فبالإمكان استخراج هذه المعادن، والاستفادة الثنائية منها.

4 أهداف أمريكية

ويبدو أنّ العرض الإيراني في هذه النقطة التعدينية بالذات استدرّ ترحيب الفريق المفاوض الأمريكي، وهو ترحيب حذر، مداره 4 نقاط أساسية.

النقطة الأولى أنّ العرض من شأنه كسر الهيمنة الصينية على سلاسل المعادن النادرة والثقيلة من حيث الاستخراج والتثمين والتوريد والتصدير، وهي هيمنة تمكنت بكين بمقتضاها من خوض حرب الرسوم الجمركية ضدّ واشنطن من باب الندية، وأجبرت ترامب على تعليق الرسوم الجمركيّة ضدّ الصين.

النّقطة الثانية أنّ حصول واشنطن على حصة معتبرة من كعكة المعادن النادرة والثمينة الإيرانية، من شأنه أن يوجه رسالة طمأنة لعمالقة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الأمريكية بإمكانية العمل والابتكار خارج السيطرة الصينية، وخارج الهيمنة الصينية الناعمة على البنية التحتية الرقمية. 

أخبار ذات علاقة

الناطق باسم الخارجية الصينية لين جيان

لمواجهة "حمائية" الغرب.. بكين تدعو لحماية سلاسل إمداد المعادن الحرجة

النقطة الثالثة أنّ تمكن واشنطن من الظفر بالسوق الإيرانية التعدينية، من شأنه أن يثير حربا سياسية ودبلوماسية شعواء بين الصين وإيران، ومن شأنه أن يؤصّل هوّة سحيقة يصعب جسرها بين الطرفين المتحالفين منذ عقود، الأمر الذي قد يزيد من عزلة إيران عن الحضن الاستراتيجي الأصلي ويفضي إلى ارتهانها الكامل لواشنطن.

أما النقطة الرابعة فتتمثل في سياق استراتيجية ترامب، حيث وقعت إدارته في فبراير/ شباط الحالي مذكرة "تأمين المعادن الحرجة".

ولئن كان التفكير الأمريكي منصبا على أفريقيا، فإنّ العرض الإيراني قد يكون أكثر استمالة للبيت الأبيض، لعدة اعتبارات اقتصادية، أقلها إمكانية استفادة الشركات الأمريكية لاستخراج الليثيوم من حصص تشغيلية مباشرة تصل إلى 50 % من المناجم الجديدة.

إغراء إيراني ولكن

بالتوازي مع كل ما سبق ذكره، يشير المراقبون إلى أنّ الانفتاح الإيراني يصل إلى حدّ عرض مشاريع استثمارية مشتركة في مجال الغاز بشكل عام، وفي حقل "بارس الجنوبي"، أكبر حقل غاز في العالم، بالإضافة إلى شراء مئات الطائرات من شركة "بوينغ" لتحديث الأسطول الجوي الإيراني المتهالك.

هذه الصفقات تعني "ترامبياً" آلاف الوظائف في الولايات المتحدة، وتعني "انتخابيا" إنجازات لساكن البيت الأبيض من شأنها حث الجمهور الأمريكي على التصويت للحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي.

إيران تعرض هذه الصفقات، بشكل شبه رسمي، قصد جس نبض الوفد الأمريكي وقياس مدى جديته في رفع العقوبات الاقتصادية والاستثمارية التي أثقلت كاهل الاقتصاد الإيراني وباتت تنذر بـ "ثورة جياع" لا تبقي ولا تذر في إيران.

في مقابل هذا، يؤكد المتابعون للشأن الإيراني أنّه على الرغم من سخاء العرض الإيراني وقدرته على اللعب على الوتر الحساس الأمريكي، إلا أنّه لا يزيل التوترات الحقيقية، ولا يجسر من هوة الاختلافات في وجهات النظر الثنائية حيال الملف النووي والصاروخي.

ووفق المتابعين، فإن هذا العرض يمثّل بادرة حسن نية إيرانية، وورقة رابحة لدى الوفد الإيراني، وإقرارا "بالفوز الأمريكي في حرب الإرادات"، ويعني أيضا حصول أسبقية رمزية ومعنوية أمريكية ضدّ وفد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلا أن قدرة "الملف التعديني" على حلحلة عقد الملف النووي والصاروخي ما تزال محل نظر.

في طهران كما في واشنطن، الشقوق المتطرفة والمتصلبة تنظر بعين الريبة لهذه الخطوة، فإيرانيا ثمة تخوف من انفتاح "تعديني" على واشنطن يعقبه "غضب صيني"، يتلوه استئناف للعقوبات في حال حصول أي عرقلة للاتفاق النووي.

وفي أمريكا يخشى عتاة الجمهوريين من أن الانفتاح الإيراني يمثل تكتيكا مرحليا إلى حين موعد التجديد النصفي (نهاية 2026)، وإلى حين خروج ترامب من البيت الأبيض في يناير كانون الثاني 2029، ويلي ذلك سريعا استئناف للملف النووي.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC