رغم ابتعاد حلف شمال الأطلسي (الناتو) عن الانخراط المباشر في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، فإن تداعيات هذا الصراع كشفت بوضوح عن نقاط ضعف هيكلية في قدرات الحلف الدفاعية؛ ما يثير تساؤلات جدية حول مدى جاهزيته لمواجهة محتملة مع روسيا في السنوات المقبلة.
ووفقاً لتقديرات مسؤولين عسكريين أوروبيين، قد تكون موسكو قادرة على شن هجوم على أحد أعضاء الحلف بحلول عام 2029، في وقت لا يزال فيه الناتو يعاني من تحديات تتعلق بالجاهزية القتالية والتماسك السياسي.
ويؤكد خبراء أن الحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب الحرب في أوكرانيا، تقدّم دروساً متشابكة حول طبيعة الحروب الحديثة ومتطلباتها، بحسب "بوليتيكو".
في هذا السياق، أظهرت مقابلات مع دبلوماسيين ومسؤولين وخبراء دفاعيين خمس ثغرات رئيسة في بنية الحلف، تفاقمت مع تطورات الحرب الأخيرة:
أبرزت الحرب مع إيران أزمة متفاقمة في مخزونات الذخيرة لدى دول الناتو، حيث استهلكت الولايات المتحدة نحو نصف مخزونها من صواريخ "باتريوت" الدفاعية، بينما بدأت مخزونات صواريخ "أستر" و"ميكا" الفرنسية بالتراجع خلال الأسابيع الأولى من القتال.
كما حذّرت شركات دفاع كبرى من ضغط غير مسبوق على سلاسل التوريد.
ويخشى مسؤولون داخل الحلف من أن يؤدي تركيز واشنطن المتزايد على منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى تقليص الموارد العسكرية المخصصة لأوروبا.
وفي هذا الإطار، حذّر مشرعون وخبراء من أن استمرار الوضع الحالي قد يمنح روسيا أفضلية استراتيجية، خاصة مع قدرتها على إنتاج آلاف الطائرات المسيّرة شهرياً؛ ما قد يؤدي إلى استنزاف الدفاعات الجوية للناتو خلال أسابيع.
كشفت الهجمات الإيرانية المكثفة، رغم الحملة الجوية الأمريكية، عن محدودية الاعتماد على التفوق الجوي وحده في حسم الصراعات.
فقد واصلت طهران تنفيذ آلاف الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة؛ ما دفع خبراء إلى الدعوة لإعادة تقييم مفهوم "الهيمنة الجوية".
ويطالب محللون بزيادة الاستثمار في قدرات الضربات الدقيقة بعيدة المدى، القادرة على استهداف العمق الاستراتيجي للخصوم، بما في ذلك مواقع إنتاج الطائرات المسيّرة.
كما بدأت بالفعل مناقشات داخل الناتو لتعزيز هذه القدرات ضمن خطط الدفاع طويلة الأمد.
سلّطت الحرب الضوء أيضاً على تراجع القدرات البحرية للحلف، خاصة في أوروبا. فقد أظهرت حالات مثل تعطل مدمرة بريطانية بعد نشرها، إلى جانب اعترافات رسمية بانخفاض الجاهزية، حجم التحديات التي تواجه الأساطيل الغربية.
ويشير خبراء إلى أن أي صراع مع روسيا سيتطلب قدرات بحرية متقدمة، خاصة لمواجهة الغواصات والصواريخ بعيدة المدى.
كما تبرز الحاجة إلى تطوير بنية الصيانة المشتركة وزيادة الاستثمارات في سفن متعددة المهام، إضافة إلى معالجة نقص الأفراد.
أدت الحرب إلى تعميق الخلافات داخل الحلف، بعد رفض دول أوروبية الاستجابة لدعوات واشنطن لتقديم دعم عسكري مباشر.
وقد أثار ذلك مخاوف من تراجع الالتزام الأمريكي تجاه أمن أوروبا، خاصة في ظل الانتقادات المتكررة التي يوجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للناتو.
ويرى مسؤولون أن هذا الانقسام قد ينعكس سلباً على قدرة الحلف على اتخاذ قرارات حاسمة في أوقات الأزمات، بل وقد يفتح الباب أمام سيناريوهات تراجع الدعم الأمريكي في حال اندلاع مواجهة مع روسيا.
أظهرت الحرب الدور المتنامي لأوكرانيا كشريك أمني رئيس، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي.
فقد سارعت كييف إلى تقديم خبراتها لدول الشرق الأوسط، مستفيدة من تجربتها في مواجهة الطائرات الإيرانية التي تستخدمها روسيا.
كما عزز الناتو تعاونه مع أوكرانيا عبر برامج تدريبية وصناعية مشتركة، مع توجه لإنشاء منظومة دفاعية متقدمة ضد الطائرات المسيّرة على طول الحدود مع روسيا. ويرى دبلوماسيون أن أوكرانيا باتت تشكل عنصراً محورياً في استراتيجية الأمن الأوروبي.
وتكشف الحرب في إيران عن فجوة واضحة بين طموحات حلف الناتو وقدراته الفعلية، في وقت تتسارع فيه التحديات الأمنية على الساحة الدولية.
وبين نقص الموارد والانقسامات السياسية، يواجه الحلف اختباراً حقيقياً لمدى قدرته على التكيف مع طبيعة الحروب الحديثة والاستعداد لمواجهة خصم بحجم روسيا.