logo
العالم

التحالف "البريطاني-الفرنسي".. نموذج جديد للأمن الجماعي الأوروبي

س الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمرالمصدر: رويترز

في ظل تراجع الدعم الأمريكي لأوروبا وتآكل الثقة بحلف شمال الأطلسي "الناتو"، ظهرت شراكة استراتيجية جديدة بين أكبر قوتين عسكريتين أوروبيتين، هما بريطانيا وفرنسا.

أخبار ذات علاقة

عامل انقاذ في موقع دمره القصف الروسي داخل أوكرانيا

أوروبا على خط النار.. سيناريوهات الحرب بين روسيا والناتو

هذا التحالف الثنائي، الذي تعزز بشكل غير مسبوق في عام 2025، يمثل محاولة طموحة لبناء "عمود أوروبي" للأمن الجماعي يعمل خارج البيروقراطية المؤسسية للناتو والاتحاد الأوروبي. 

"إعلان نورثوود" خطوة غير مسبوقة

في يوليو 2025، أصدر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "إعلان نورثوود"، وهو اتفاق يمثل قفزة نوعية في التنسيق الأمني بين البلدين، فقد نص الإعلان بوضوح على أنه "لا يوجد موقف يمكن أن تتعرض فيه المصالح الحيوية لفرنسا أو بريطانيا للتهديد دون أن تتعرض المصالح الحيوية للدولة الأخرى للتهديد أيضاً".

وتشبه هذه الصيغة إلى حد كبير المادة الخامسة من معاهدة الناتو، لكنها تأتي في إطار ثنائي خارج المؤسسات الرسمية.

مظلة نووية

الأهم في الإعلان هو التزام الجانبين بالتنسيق عبر "السياسة النووية والقدرات والعمليات"، وهو ما يمثل خطوة نحو "مظلة نووية" لأوروبا استجابة للتهديد المتزايد من روسيا واحتمال التخلي الأمني الأمريكي.

بحسب صحيفة Defense News، اتفقت فرنسا وبريطانيا على تنسيق ترساناتهما النووية، لكن الوثيقة توضح أن الترسانات النووية لن تدمج بالكامل، بل ستظل مستقلة لكن يمكن تنسيقها، والهدف هو تحقيق رادع سياسي وليس عملياتياً تقنياً.

أخبار ذات علاقة

جندي بولندي على متن دبابة مدرعة بينما يرفرف علم الناتو

روتين عسكري واحتكاك متعمد.. هل تقترب روسيا والناتو من "الخطأ القاتل"؟

وفي هذا الإطار يرى معهد تشاتام هاوس في لندن أن "هذا التنسيق النووي يمثل أهم تطور في الأمن الأوروبي منذ عقود، فهو يضع أساساً لردع نووي أوروبي مستقل عن المظلة الأمريكية".

من جانبه، حذر لويجي سكازييري، كبير المحللين في معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، من أن "التنسيق النووي بين لندن وباريس يمثل تحدياً للدول الأوروبية غير النووية، فهو يخلق طبقتين من الأمن: دول تحت المظلة النووية البريطانية-الفرنسية، ودول خارجها".

"تحالف الراغبين" 

أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن "تحالف الراغبين" في 2 مارس 2025، بعد قمة لندن حول أوكرانيا تحت شعار "تأمين مستقبلنا". المبادرة تقودها بريطانيا وفرنسا بشكل مشترك، وانضمت إليها 35 دولة.

الهدف المعلن هو تقديم دعم معزز لأوكرانيا ضد العدوان الروسي، والاستعداد لأن تكون جزءاً من قوة حفظ سلام منتشرة على الأراضي الأوكرانية عند التوصل لاتفاق سلام.

لكن الهدف غير المعلن، بحسب تحليلات مراكز بحثية أوروبية، هو إنشاء قوة عسكرية أوروبية قابلة للنشر خارج إطار الناتو، يمكن استخدامها في أزمات مستقبلية دون الحاجة لموافقة أمريكية أو إجماع أطلسي.

الدرع الأطلسي

وفي نوفمبر 2024، أعلن ستارمر وماكرون إحياء معاهدة لانكستر هاوس الأصلية (2010) وتوسيعها لتشمل مجالات جديدة. المعاهدة المحدثة تشمل: التعاون الاستخباراتي المعزز، المناورات العسكرية المشتركة، التعاون الصناعي الدفاعي، التنسيق الدبلوماسي من خلال مواقف موحدة في الأزمات الدولية

كما أعلنت بريطانيا وفرنسا في مايو 2025 عن مبادرة "الدرع الأطلسي" ، وهي قوة بحرية وجوية مشتركة تعمل في شمال الأطلسي والبحر المتوسط لمراقبة الأنشطة العسكرية الروسية، وحماية الكابلات البحرية وخطوط أنابيب الطاقة، وردع أي عمليات تخريب روسية، وتوفير قدرات دفاع جوي متكاملة.

بحسب تحليل من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن، فإن "الدرع الأطلسي يمثل أول قوة عسكرية أوروبية دائمة خارج إطار الناتو منذ عقود".

لماذا خارج الناتو والاتحاد الأوروبي؟

أشار تقرير من معهد SWP الألماني إلى أن "التحالفات الثنائية مثل الشراكة البريطانية-الفرنسية تكتسب زخماً، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها تسمح بتجاوز متطلبات الإجماع للمنظمات الأكبر، وبهذا توفر مزيداً من المرونة".

في الناتو، أي قرار عسكري يتطلب موافقة جميع الـ32 عضواً، بما في ذلك دول مثل المجر وتركيا التي غالباً ما تعرقل القرارات. أما الشراكة الثنائية، فهي تسمح لبريطانيا وفرنسا باتخاذ قرارات سريعة وحاسمة.

كذلك يرى معهد تشاتام هاوس أن "الدافع الأساسي وراء الشراكة البريطانية-الفرنسية هو الرغبة في بناء قدرات دفاعية أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة، خاصة في ضوء تصريحات الرئيس ترامب المتكررة حول التخلي عن أوروبا".

خبراء الصندوق الألماني مارشال يوضحون أن "الأوروبيين يريدون أن يظهروا للولايات المتحدة وأوكرانيا وروسيا أنهم مستعدون للدفاع عن أمنهم الخاص، ومن خلال إظهار هذا الاستعداد وتحقيق نتائج ملموسة، يأملون في أن يكونوا على طاولة المفاوضات".

بالنسبة لبريطانيا، الشراكة مع فرنسا توفر مدخلاً للأمن الأوروبي دون العودة للاتحاد الأوروبي. منذ البريكست، فقدت لندن تأثيرها في السياسة الأمنية الأوروبية، لكن هذه الشراكة الثنائية تعيد لها دوراً محورياً.

ضغوط على روسيا

اتفقت بريطانيا وفرنسا في أغسطس 2025 على قيادة حملة أوروبية لفرض عقوبات ثانوية تستهدف الشركات التي تدعم حرب روسيا، بما في ذلك شركات صينية وهندية وتركية.

أعلن وزيرا خارجية البلدين استعدادهما "لممارسة مزيد من الضغط على روسيا باستخدام جميع الأدوات المتاحة، بما في ذلك من خلال اعتماد عقوبات جديدة، لإعاقة قدرتها على شن حربها العدوانية".

أخبار ذات علاقة

نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف

تحذير من "النووي".. لماذا تلوّح روسيا بخطر الصدام مع الناتو؟

هذه المقاربة أكثر عدوانية من موقف الاتحاد الأوروبي الرسمي، الذي يواجه صعوبات في تمرير عقوبات جديدة بسبب اعتراضات دول مثل المجر.

وحذر لويجي سكازييري من أن "مستوى معين من الدعم الأمريكي سيكون مهماً، وحتى الآن هذا ليس هو الحال"، مشيراً إلى أن "بريطانيا وفرنسا تفتقران إلى قدرات حاسمة مثل، الاستخبارات الفضائية، والمراقبة الجوية، وطائرات دون طيار متقدمة.

وأضاف أن "قوة حفظ السلام الأوروبية ستحتاج إلى 25,000-50,000 جندي على الأقل، وهو عدد يتجاوز ما يمكن لبريطانيا وفرنسا نشره بمفردهما"، مشددا على أن "الشراكة البريطانية-الفرنسية قد تخلق توتراً مع ألمانيا التي تشعر بالتهميش، وقد تؤدي إلى انقسام أوروبا إلى كتل أمنية منافسة"، وفق قوله.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC