يرى محللون ودبلوماسيون أن بوركينا فاسو دخلت مرحلة حساسة من النزاع المسلح، حيث باتت الجماعات المرتبطة بالقاعدة، وعلى رأسها جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، تعتمد على تكتيكات غير تقليدية تهدف إلى إضعاف قدرة الدولة على العمل خارج المدن، بدل المواجهات المباشرة.
وأشار الخبراء أن الهجمات الأخيرة على مواقع عسكرية، وتعطيل البنية التحتية الحدودية، والتمركز في مناطق طرفية، تشكل اختبارا حقيقيا لصمود الدولة، فيما تتحوّل الأطراف إلى مساحات رخوة تسمح للجماعات المسلحة بإعادة ترتيب حساباتها السياسية والعسكرية على الأرض.
وقال مصدر دبلوماسي غربي مشارك في مشاورات أممية تتعلق بالأمن في الساحل وغرب أفريقيا، إن ما جرى في بوركينا فاسو خلال الأيام الأخيرة يُعتَبر كإشارة إلى دخول البلاد مرحلة ضغط مختلفة، تعتمد فيها الجماعات المرتبطة بالقاعدة على إضعاف قدرة الدولة على العمل خارج المدن، بدل السعي إلى مواجهات مباشرة واسعة.
وأوضح خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن هذا النمط بات مألوفا لدى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، بعد سنوات من التجربة في وسط وشمال مالي.
وأضاف المصدر أن القلق داخل الدوائر الغربية يرتبط بتغير طبيعة الهجمات، لافتا إلى أن "تعطيل الجسور والطرق الحدودية، ثم التمركز في مواقع طرفية، يشير إلى محاولة خلق واقع ميداني يصعب على الدولة التراجع عنه بسرعة، حتى لو بقيت السيطرة شكلية في المدن الكبرى".
واعتبر أن هذا الأسلوب ينقل كلفة الصراع من الميدان العسكري إلى المجال السياسي والإداري.
وتابع أن بوركينا فاسو يُنظر إليها اليوم باعتبارها إحدى النقاط الأكثر حساسية في خريطة الساحل، موضحا أن "الجماعات المسلحة ترى في البلاد مساحة اختبار حقيقية لقدرة الدولة على الصمود، خصوصا في ظل تراجع الدعم الخارجي وتزايد الضغوط الداخلية". وأضاف أن هذا ما يفسر تركيز الجماعة على مناطق مثل سينو والشمال، حيث ضعف الانتشار الدائم يجعل أي اختراق، ولو محدودا، ذا أثر مضاعف.
وقد تعرّضت مواقع عسكرية تابعة للجيش البوركينابي لهجمات عنيفة في محيط واهيغويا شمالي البلاد، إحدى المدن الرئيسة في إقليم الشمال، وأسفرت الهجمات عن سقوط قتلى في صفوف القوات النظامية، وفق مصادر أمنية وإعلامية محلية.
وذلك في الوقت الذي انتقلت فيه الجماعة إلى تعطيل بنية تحتية حدودية حساسة عبر تدمير جسر يربط مدينة جيباسو البوركينابية ببلدة بينينا داخل الأراضي المالية، وهو مسار حيوي لحركة السكان والتجارة والتموين، ويُستخدم كذلك في الدوريات الأمنية المشتركة.
أما يوم الأحد الماضي فقد أعلنت الجماعة سيطرتها على موقع عسكري في بلدة باني، الواقعة في إقليم سينو شمال شرق بوركينا فاسو، وهي منطقة حدودية تشكّل نقطة تماس مباشرة مع شرق مالي.
هذا التتابع الزمني يعكس انتقالا مدروسا من استهداف مباشر للقوات النظامية إلى الضغط على حركة الدولة وممراتها، ثم إلى التمركز الموضعي في مناطق طرفية.
اختيار باني في إقليم سينو كان مدروساً؛ كون المنطقة تقع في شمال شرقي البلاد على مقربة من الحدود المالية، وتُعد جزءا من حزام هش أمنيا تعاني فيه الدولة من محدودية الانتشار الدائم. تاريخيا، شكّلت هذه المناطق مجالا مفتوحا لحركة الجماعات المسلحة، بفعل اتساع الرقعة الجغرافية، وضعف البنية التحتية، وتداخل المسارات الحدودية.
السيطرة المؤقتة أو المتكررة على مواقع في هذه المنطقة تحمل دلالة سياسية مباشرة تتمثل في تقليص قدرة الدولة على العمل خارج المراكز الحضرية، وتحويل الأطراف إلى فضاءات رخوة يصعب ضبطها سريعا.
وفي السياق نفسه، أشار المصدر إلى أن التقديرات الغربية الحالية لا تتوقع انهيارا وشيكا للدولة البوركينابية، لكنها تحذّر من مسار استنزاف طويل الأمد، قائلاً: "الخطر الحقيقي هو أن تتحول بعض المناطق إلى فراغات دائمة، لا تستطيع الدولة العودة إليها إلا بكلفة عالية، سياسية وعسكرية في آن واحد". ولفت إلى أن هذا السيناريو، إذا ترسخ، سيضعف الثقة الداخلية، ويُربك أي محاولة لإعادة ترتيب الأولويات الأمنية.
وحول الانعكاسات الإقليمية، قال المصدر إن ما يحدث في بوركينا فاسو لا يمكن عزله عن محيطه، معتبرا أن نجاح الجماعات المرتبطة بالقاعدة في تثبيت حضورها شمال وشرقي البلاد سيؤدي حتمًا إلى زيادة الضغط على دول الجوار، لا سيما مالي والنيجر، ويفتح المجال أمام انتقال التهديد تدريجيا نحو دول ساحلية في غرب أفريقيا.
وأضاف أن هذا الاحتمال يُعد أحد أسباب عودة ملف الساحل إلى صدارة النقاشات الأمنية في الأشهر الأخيرة.
وختم المصدر بالقول إن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، من حيث قدرة الدولة البوركينابية على منع تحوّل هذه التحركات إلى واقع اعتيادي، موضحا أن "الرهان الآن على منع تكريس نمط يجعل غياب الدولة عن الأطراف أمرا طبيعيا، وهو ما تسعى إليه هذه الجماعات على المدى المتوسط".
في حين يرى أندرو ليبوفيتش، الباحث المتخصص في تحليل الجماعات الجهادية في الساحل، أن خطورة ما يجري في بوركينا فاسو يكمن في التغيّر الهادئ في الطريقة التي تُدار بها هذه العمليات.
ويشير خلال حديثه لـ"إرم نيوز" إلى أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين باتت تتعامل مع الجغرافيا كفضاء يُعاد تشكيله خطوة خطوة، عبر الضغط على نقاط الحركة والتموين، ثم اختبار قدرة الدولة على العودة.
ويضيف ليبوفيتش أن هذا التحوّل يعكس نضجا عمليا أكثر منه توسعا أيديولوجيا، موضحا أن الجماعة باتت تدرك أن السيطرة المستقرة تحتاج إلى جعل حضور الدولة متقطعا وغير مضمون. من هذا المنظور، تصبح العمليات الأخيرة رسالة موجهة بقدر ما هي فعل عسكري، هدفها إظهار أن الدولة لا تستطيع التحرك بحرية في أطرافها من دون كلفة مرتفعة. ويخلص إلى أن الخطر الحقيقي يبدأ حين تتكيف المجتمعات المحلية مع هذا الواقع.
هذا ويُرجع محللون ودبلوماسيون تصاعد النشاط الإرهابي في بوركينا فاسو إلى جملة عوامل متداخلة، أبرزها هشاشة الوضع السياسي الداخلي، وتكرار الانقلابات العسكرية، وتراجع ثقة السكان في قدرة الدولة على توفير الأمن والخدمات، كما ساهم الانسحاب أو تقليص الوجود الدولي في خلق فراغ أمني نسبي، استثمرته الجماعات المسلحة لتعزيز حركتها.
بينما يعتبر مصدر دبلوماسي في الاتحاد الأفريقي، في حديث لـ"إرم نيوز" أن بوركينا فاسو أصبحت اليوم حلقة مركزية في استراتيجية الجماعة؛ لأنها تشكّل نقطة وصل جغرافي بين بؤر نشاط متعددة في مالي والنيجر وغرب أفريقيا.
كذلك تضع هذه التحركات السلطة البوركينابية أمام معضلة معقّدة، فاستمرار الضغط في الأطراف يهدد بتآكل الثقة الشعبية، ويُبقي الجيش في حالة استنفار دائم، ويحدّ من قدرة الدولة على الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى بناء استقرار مستدام.
تقارير أمنية دولية حديثة تشير إلى أن منطقة الساحل باتت اليوم إحدى أكثر بؤر النشاط الإرهابي كثافة في العالم، مع تراجع الحضور الدولي، وضعف التنسيق الإقليمي، وتزايد اعتماد الجماعات المسلحة على الاقتصاد غير النظامي وشبكات التهريب.
ويحذّر المصدر الدبلوماسي من أن الخطر لا يكمن في سقوط مدن كبرى، بل في اعتياد غياب الدولة عن أجزاء من البلاد، وهو سيناريو يفتح الباب أمام استنزاف طويل الأمد يصعب احتواؤه بسرعة.
إقليميا، يحمل هذا المسار مخاطر تتجاوز حدود بوركينا فاسو، فتعزيز حضور الجماعات المرتبطة بالقاعدة في الشمال والشرق البوركينابي وفق المصدر؛ يسهّل انتقال المقاتلين والسلاح عبر الحدود، ويزيد الضغط على دول الجوار، خصوصا مالي والنيجر، كما يرفع مستوى التهديد لدول ساحلية في غرب أفريقيا كانت حتى وقت قريب خارج دائرة الاستهداف المباشر.
وما يجري في بوركينا فاسو لا يمكن فصله عن السياق الأوسع في منطقة الساحل، فالجماعة نفسها تنشط بفعالية في وسط وشمال مالي، حيث راكمت خبرة طويلة في استنزاف الدولة وفرض حضورها في المناطق الريفية. كما شهدت النيجر خلال الأشهر الماضية تصاعدا في الهجمات على مواقع عسكرية وقوافل أمنية، في حين برزت مؤشرات على تمدد النشاط الجهادي نحو مناطق في شمال بنين وتوغو؛ ما يعكس تحوّل غرب أفريقيا إلى مجال اهتمام متزايد لهذه الجماعات.
من جهته، يلفت مارك ليتل، الخبير في شؤون مكافحة الإرهاب في أفريقيا، إلى أن النشاط المتصاعد للجماعات المرتبطة بالقاعدة في البلاد يأتي من موقع بوركينا فاسو كمساحة ربط بين مسارات متعددة للجماعات المسلحة في الساحل وغرب أفريقيا.
ويشرح ليتل خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن الجماعات الإرهابية تبحث اليوم عن بيئات تسمح لها بتجريب أدوات ضغط جديدة من دون استدعاء ردود فعل دولية واسعة، معتبرا أن بوركينا فاسو توفّر هذا الهامش، بحكم موقعها الجغرافي وحساسيتها السياسية. ووفق هذا التحليل، فإن ما يجري عبارة عن محاولة لقياس حدود التحمّل لدى الدولة، وحدود التدخل الخارجي في حال تدهورت الأوضاع تدريجيا.
ويحذّر ليتل من أن نجاح هذا النمط سيشجّع على نسخه في مناطق أخرى من غرب أفريقيا، حيث لم تصل الجماعات المسلحة بعد إلى مستوى النفوذ نفسه، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن فشل هذه التجربة سيعيد رسم أولويات الجماعات في المنطقة. ويختم بالقول إن المرحلة الراهنة تتعلق بميزان الصبر أكثر مما تتعلق بميزان القوة، سواء بالنسبة للدولة أو لهذه الجماعات.