أثار تفاعل المرشد الأعلى مجتبى خامنئي مع تطورات المرحلة التي تشهدها إيران، واقتصار تواصله النادر خلال الحرب على بلاده، عبر الفضاء الرقمي، تساؤلات بشأن تحوله إلى مجرد "مرشد افتراضي".
واختفى مجتبى عن الأنظار، منذ اغتيال والده علي خامنئي، مطلع الحرب الأمريكية الإسرائيلية، في فبراير/ شباط الماضي، وبقي دون ظهور مادي، وسط شكوك كذلك حول كونه هو من يتواصل بنفسه رقمياً وليس من يدير حساباته.
وراجت مؤخراً تقارير حول وجود "قيادة بديلة"، عبر مجلس عسكري يضم كبار ضباط "الحرس الثوري" البارزين، يتولون زمام البلاد عسكرياً وسياسياً، لدرجة جعلت البعض يتحدث عن وجود "مرشد بلا صلاحية" في إيران.
ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن مجتبى فوّض الجنرالات صلاحيات صنع القرار، على الأقل في الوقت الراهن، وسط مزيج من قلق على حياته في ظل إصابته، وصعوبة في الوصول إليه.
وقارنت الصحيفة بين المرشد الراحل ونجله "الحاضر الغائب"، قائلة إن "علي خامنئي حين كان المرشد الأعلى تمتع بسلطة مطلقة على كل قرارات الحرب والسلام والمفاوضات مع أمريكا، أما ابنه وخليفته فلا يضطلع بالدور نفسه".
وذكرت الصحيفة أن "مجتبى شخصية غامضة لم تظهر ولم يُسمع لها صوت، منذ توليه منصبه خلفاً لوالده الراحل في شهر مارس/ آذار الماضي".
وأوضحت أنه "بدلاً من ذلك، فإن مجموعة قادة مخضرمين في "الحرس الثوري" ومن يتحالفون معهم، باتوا هم صناع القرار الرئيسيون في مسائل الأمن والحرب والدبلوماسية".
واقتصر تفاعل مجتبى، منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، على رسائل عبر حسابات رقمية بعدة لغات، منسوبة له، وسط غياب مادي عن الأحداث وتفاعلاتها.
وكان آخر "ظهور رقمي" منسوب لمجتبى، الجمعة، عبر رسالة نشرتها حسابات باسمه على منصة "إكس"، حذر فيها الشعب الإيراني من "مخطط مشؤوم" لضرب الوحدة والأمن القومي.
وطالب مجتبى الإيرانيين، بحسب التدوينة المنسوبة له، بالحفاظ على "الوحدة الفريدة" التي تسببت بحدوث انقسام في صفوف الأعداء، على حد تعبيره، محذراً كذلك من حرب إعلامية موجهة ضد الإيرانيين تستهدف العقول والنفوس.
تأتي تلك الرسالة في وقت يتواصل فيه غياب خامنئي الابن، وسط شكوك حول حالته الصحية بعد تقارير عن تعرضه لإصابة خطيرة جراء استهدافه خلال الحرب، بحسب تقارير.
وتشير الصحيفة إلى وجود صعوبة بالغة في الوصول إلى مجتبى، وهو محاط في الغالب بفريق من الأطباء والطاقم الطبي الذين يعالجون الإصابات التي لحقت به جراء الغارات الجوية.
ويرى محللون أن "علاقات خامنئي الوثيقة بالجنرالات، الذين نشأ معهم عندما تطوع للقتال في الحرب الإيرانية العراقية، في سن المراهقة، جعلتهم القوة المهيمنة"، وفق الصحيفة.
واعتبرت الصحيفة أنه رغم تصريح الرئيس الأمريكي ترامب بأن الحرب واغتيال الكثير من قادة إيران وأجهزتها الأمنية مهّدت من أجل "تغيير النظام"، وأن القادة الجدد "أكثر اعتدالاً"، إلا أن الواقع لم يتغير والسلطة الآن في أيدي جيش متشدد راسخ فيما يتضاءل نفوذ رجال الدين.
وقال عبد الرضا داوري كبير مستشاري الرئيس الأسبق أحمدي نجاد: "يدير مجتبى البلاد كما لو كان مديرًا لمجلس الإدارة، إنه يعتمد اعتمادًا كبيرًا على مشورة وتوجيهات أعضاء مجلس الإدارة، وهم يتخذون جميع القرارات بشكل جماعي. الجنرالات هم أعضاء مجلس الإدارة".
من جهتها، قالت سانام وكيل مديرة "قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" بمعهد "تشاتام هاوس": "لم يمسك مجتبى بزمام الأمور أو يسيطر عليها بشكل كامل بعد".
وأضافت: "لم يتولى مجتبى زمام الأمور أو السيطرة الكاملة بعد. ربما يُبدي الآخرون له بعض الاحترام، فهو يوافق على القرارات أو يتم إشراكه في عملية صنع القرار بشكل رسمي. لكن حالياً تعرض عليه قرارات تم اتخاذها بالفعل".
بدوره، قال علي واعظ مدير ملف إيران في "مجموعة الأزمات الدولية": "مجتبى ليس صاحب السلطة المطلقة؛ قد يكون قائداً بالاسم".
وأردف قائلاً: "مجتبى ليس صاحب السلطة المطلقة كما كان والده، فهو خاضع لقادة الحرس الثوري لأنه مدين لهم بمنصبه وبقاء النظام".
ولفتت الصحيفة إلى جنرالات "الحرس الثوري" ينظرون إلى الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل على أنها تهديد لبقاء النظام الإيراني.
وذكرت أنه بعد 5 أسابيع من القتال الضاري، باتوا واثقين من احتوائهم للتهديد، وتولوا في كل مرحلة زمام المبادرة في تحديد الاستراتيجية واستخدام الموارد.
واستشهدت بوضع الجنرالات استراتيجية مهاجمة دول المنطقة وإغلاق مضيق هرمز واختيار محمد باقر قاليباف من صفوفهم لقيادة المحادثات مع واشنطن، في إسلام آباد.
ونوهت "نيويورك تايمز" إلى أنه "ولأول مرة، شارك عدد من قادة "الحرس الثوري" في الوفد المفاوض مع أمريكا".