أثار إعلان واشنطن وتل أبيب انطلاق عملية "الغضب الملحمي" في 28 فبراير/شباط الماضي، قلق أوروبا رغم عدم تصريحها بذلك.
القلق لا يقتصر على احتمال سقوط القنابل على أراضي أوروبا، بل يكمن في أن السؤال الذي يؤرق صانعي القرار في القارة العجوز يختلف جذرياً عن السؤال الذي يشغل واشنطن، وهو: ما الذي يحدث حين يسقط النظام الإيراني؟ وهل تستطيع أوروبا تحمّل تداعياته؟
الأرقام وحدها كافية لإثارة قلق أي مسؤول أوروبي، إيران دولة يقطنها نحو 90 مليون إنسان، وهي في الوقت ذاته واحدة من أكبر دول العالم في استضافة اللاجئين، إذ تؤوي نحو 3.8 مليون أفغاني وحدهم.
وأطلقت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA) تحذيراً صريحاً: "حتى الزعزعة الجزئية لاستقرار البلاد قد تُولّد موجات نزوح غير مسبوقة"، والأكثر إثارة للقلق أن الوكالة ذاتها حسبت أن نزوح 10% فقط من السكان الإيرانيين سيُضاهي أكبر موجات اللاجئين في العقود الأخيرة.
مقارنةً بذلك، فإن الأزمة السورية عام 2015 التي زعزعت الاتحاد الأوروبي من أعماقه جاءت من دولة لا يتجاوز سكانها ربع سكان إيران.
وتحدث وزير الخارجية الإسبانية، خوسيه مانويل ألباريس، صراحة لصحيفة "إل باييس"، قائلاً إن "ارتفاع تكاليف المعيشة والوصول الجماعي غير المنضبط للاجئين يائسين" من أبرز مخاطر حرب لم تُستشر أوروبا في شأنها ولم تُخبَر بها.
وقد استقبل الاتحاد الأوروبي نحو 8 آلاف طالب لجوء إيراني في عام 2025 وحده، وهو رقم قد يبدو متواضعاً، لكنه سيبدو أثراً بعد عين إن تحوّل المشهد إلى ما يخشاه الجميع.
استخدم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، جملة واحدة باتت تتردد في الأروقة الأوروبية: "لا نريد أن نرى سيناريو سوريا"، قالها خلال زيارته معرض الحرف في ميونيخ في 6 مارس/آذار، مضيفاً أن استمرار الحرب أو انهيار الدولة الإيرانية سيكون له "تداعيات بعيدة المدى على أوروبا في مجالات الأمن والطاقة والهجرة".
وأعلن وزير خارجيته يوهان فاديفول، تخصيص قرابة 100مليون يورو، للمساعدات الإنسانية في المنطقة، معللاً ذلك صراحةً بـ"ضرورة منع موجات هجرة كبيرة نحو أوروبا."
وقدم الخبير الألماني جيرالد كناوس، أحد مهندسي اتفاقية اللاجئين بين الاتحاد الأوروبي وتركيا عام 2016، قراءة مغايرة تماماً لما يتخوف منه كثيرون.
وقال كناوس، لـ"راديو دويتشلاندفونك" إن الحديث عن موجة لاجئين إيرانية كبيرة نحو أوروبا يبالغ في التهديد، لأن دول الجوار كتركيا سدّت حدودها بإحكام.
وأضاف"إن كانت الحدود محروسة بجنود لديهم أوامر بإطلاق النار، فحتى أشد الناس يأساً لا يستطيعون مغادرة بلادهم"، ويُحذر في الوقت ذاته من أن عدم وصول اللاجئين إلى أوروبا لا يعني أن أوضاعهم ليست كارثية، بل يعني فقط أن الكارثة تبقى بعيدة عن الأضواء الأوروبية.
ويأتي القلق بتوقيت حساس بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فبعد سنوات من المفاوضات المضنية، من المقرر أن يدخل ميثاق الهجرة واللجوء حيز التنفيذ في 12يونيو/حزيران المقبل، بما يتضمنه من إجراءات أكثر صرامة لمعالجة طلبات اللجوء وآليات لتوزيع اللاجئين بين الدول الأعضاء.
وحذر وزير الهجرة القبرصي نيكولاس يوانيدس، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد، من أن الأزمة الإيرانية قد تُشكّل "اختباراً مبكراً وقاسياً" لهذه القواعد الجديدة قبل أن تثبت جدارتها.
وفرق الباحث في المركز الأوروبي للسياسات (EPC)، ألبرتو نيدهاردت، بين حالتين: الردع والصمود. أوروبا تتحصّن اليوم بالردع، أي إغلاق الحدود وتشديد القواعد، لكن هذا لا يعني أنها أكثر صموداً إن اندلعت موجة نزوح حقيقية.
ويُذكّر بدرس سوريا: الحرب بدأت عام 2011، وأوروبا لم تشعر بثقلها إلا في 2015 حين انهارت دول الاستقبال الإقليمية. "إن أرادت أوروبا تجنب صدمات مستقبلية فعليها أن تُركّز على المنطقة نفسها، لا على حدودها."
ووضع مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR) الأرقام في سياقها: الضربات الأمريكية الإسرائيلية نزّحت داخلياً ما يزيد على 3.2 مليون شخص داخل إيران، فيما بلغ عدد النازحين في لبنان وحده قرابة سبعمئة ألف شخص. وميناء جبل علي في دبي، مركز اللوجستيات الإنسانية الأول عالمياً، تعرّض لضربة أدت إلى شلل جزئي في عمليات الإغاثة الدولية.
الأزمة الإنسانية إذن تتشكّل داخل المنطقة قبل أن تصل إلى أوروبا، وهذا بالضبط ما يجعل المطالبة بالاستجابة الآن لا بعد وصول القوارب أمراً ملحاً.
أوروبا تخشى سقوط النظام الإيراني، لكنها تخشى أكثر أن يُفاجئها التاريخ مرة ثانية كما فعل عام 2015. والفارق بين المرتين أن إيران ليست سوريا في الحجم ولا في التعقيد.