logo
العالم

بوتين يراهن على الانقسامات.. لماذا لم تستفد روسيا من "الشرخ الغربي"؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتينالمصدر: (أ ف ب)

مع اتساع الخلافات بين واشنطن وأوروبا، وتصاعد التباينات داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، بدا أن الكرملين يقترب نظريا من تحقيق مكسب سياسي طال انتظاره، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذا "الشرخ الغربي" لم يتحول حتى الآن إلى إنجاز روسي حاسم.

خلال الأسابيع الأخيرة، برز الخلاف الأمريكي الأوروبي بشكل أوضح، خاصة بعد فشل مبعوثي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تحقيق اختراق بمحادثات موسكو، مقابل ترحيب الكرملين بوثائق أمريكية تصف أوروبا كعائق أمام استقرار العلاقات مع روسيا.

أخبار ذات علاقة

منشأة تخزين الغاز تحت الأرض قرب لفيف

رسائل مزدوجة.. لماذا استهدفت روسيا أكبر منشأة للغاز في أوروبا؟

كما ظهر الانقسام الأوروبي جليا في عجز قادة الاتحاد عن الاتفاق على استخدام الأصول الروسية المجمدة لدعم كييف، وسط اعتراضات تقودها دول مثل المجر وبلجيكا، وتحذيرات أمريكية غير معلنة من تبعات قانونية ومالية محتملة.

ورغم ذلك، لم تنجح روسيا في ترجمة هذه التباينات إلى مكاسب استراتيجية مباشرة، خاصة وأن الاقتصاد الروسي لايزال يواجه ضغوطا متزايدة مع تباطؤ النمو المتوقع إلى ما بين 1 و2% خلال 2025، وارتفاع معدلات التضخم، وتسجيل عجز ملحوظ في الميزانية.

في المقابل، حافظت أوروبا على حد أدنى من التماسك الاستراتيجي، تمثل في استمرار الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا، بما في ذلك الموافقة على حزم تمويل وقروض ضخمة لضمان صمود الجيش الأوكراني.

وتشير التقديرات الاستخباراتية الغربية إلى أن القدرات العسكرية الروسية رغم زخمها لا تسمح بتحقيق انتصارات حاسمة تتجاوز الساحة الأوكرانية.

رهان موسكو الأساسي يبقى متمثلًا في تقليص الدعم الغربي لكييف وفرض تنازلات تتعلق بالأراضي وبنية الجيش الأوكراني، وإعادة رسم النظام الأمني الأوروبي. 

ويرى الخبراء، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يراهن نظريا على الانقسامات داخل المعسكر الغربي، إلا أن موسكو لم تنجح حتى الآن في تحويل هذا "الشرخ الغربي" إلى مكسب استراتيجي حاسم، في ظل استمرار تماسك القرار الأوروبي عند مستوى القيادات الكبرى.

وأضاف الخبراء أن الخلافات داخل أوروبا لا تتجاوز في جوهرها إطار الوسائل والآليات، بينما يبقى الهدف المشترك متمثلًا في تحجيم الدور الروسي عند الحدود الشرقية، وهو ما يحد من قدرة موسكو على استثمار التباينات الأوروبية سياسيًا.

وأشاروا إلى أن بوتين نقل رهانه الأساسي إلى الميدان العسكري وحرب الاستنزاف، مستفيدًا من الضغوط الاقتصادية واستنزاف القدرات العسكرية الأوروبية، دون أن يحقق حتى اللحظة اختراقا سياسيا يُترجم الانقسامات الغربية إلى تغيير جذري في مسار الحرب.

في البداية، قال محمود الأفندي، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يراهن فعليا على الانقسامات داخل أوروبا أو تعقيدات المشهد السياسي بقدر ما يعتمد على الواقع الميداني، انطلاقا من إدراكه لطبيعة المعسكر الغربي الذي يخوض الحرب ككتلة واحدة رغم الخلافات الظاهرة.

وكشف الأفندي لـ"إرم نيوز" أن ما جرى بعد اتفاقية إسطنبول عام 2022 كشف اعترافا أوروبيا بأن الصراع تحوّل إلى معركة كسر إرادات، وهو ما دفع موسكو إلى التركيز على الحسم العسكري وحرب الاستنزاف.

تصاعد الديون الأوروبية

وأضاف أن العقوبات الغربية ألحقت أضرارا أكبر بأوروبا مقارنة بروسيا، في ظل تصاعد الديون الأوروبية واستنزاف الترسانات العسكرية، مؤكدًا أن فشل الغرب في عزل موسكو دوليا حد من قدرة أوروبا على توظيف الانقسامات سياسيا.

وأشار إلى أن التباينات الأوروبية جاءت نتيجة التقدم الروسي على الأرض، لكنها لم تتحول إلى شرخ استراتيجي قابل للاستثمار الروسي، مشددا على أن بوتين لا يرى مصلحة مباشرة في أوروبا، رغم عجزها عن الاستغناء عن روسيا اقتصاديا وطاقويا؛ وهو ما يفسر تصاعد الدعوات للحوار مع موسكو.

ولفت إلى أن استمرار الحرب قد يقود إلى تصدعات أعمق داخل الناتو، إلا أن روسيا لا تزال تتحرك بمنطق عسكري بحت، حيث يظل صوت السلاح أعلى من أي حسابات سياسية.

من جانبه، أكد إبراهيم كابان، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، أن المواقف الأوروبية تجاه الأزمة الأوكرانية ليست موحدة بالكامل؛ إذ توجد تباينات واضحة داخل الاتحاد الأوروبي، سواء في العلاقة مع روسيا أو في إدارة الصراع.

وقال كابان لـ"إرم نيوز" إن القرار الحقيقي داخل أوروبا تقوده دول القمة، وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري، فيما تبقى بقية الدول متأثرة بتوجهاتها.

تحجيم الدور الروسي

وأضاف أن هذه التباينات أفرزت فجوة في مقاربة الملف الأوكراني، لكنها لا ترقى إلى مستوى الخلاف الاستراتيجي، حيث يتفق الجميع على هدف تحجيم الدور الروسي عند الحدود الشرقية، ويختلفون فقط حول الأدوات، بين الضغط السياسي والعقوبات أو الدعم العسكري لكييف.

وأشار المحلل السياسي إلى أن هذا الواقع حال دون استفادة موسكو الكاملة من الانقسامات الأوروبية، رغم قدرتها على المناورة داخل هذا المشهد المعقد.

ولفت الخبير في الشؤون الأوروبية إلى أن أوروبا، برغم صراعها مع روسيا، تواصل اتباع نهج براغماتي في علاقاتها الدولية، سواء مع الصين أو غيرها، مستخدمة شبكة واسعة من التحالفات والضغوط غير المباشرة.

 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC