لا تنظر أوروبا إلى التصنيف الأمريكي لفروع جماعة الإخوان المسلمين كـ"منظمات إرهابية"، على أنه مجرد إجراء عقابي، فحسب، بل نموذج قابل للاستلهام جاء من دولة عظمى، وسابقة قانونية يمكن البناء عليها لاتخاذ خطوة مماثلة.
ويأتي ذلك في وقت كانت فيه عواصم أوروبية عدة قد شرعت، فعلياً، في تشديد الرقابة والملاحقة تجاه أنشطة الجماعة، انطلاقاً من قناعة متنامية بأنها تمثل ما يُوصف داخل بعض الدوائر بـ"الخطر الصامت"، الذي يتراكم لينفجر في لحظة ما.
ورغم أن التصنيف الأمريكي لا يُلزم الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراء مماثل، ذلك أن آليات اتخاذ القرار في بروكسل أكثر تعقيداً، نتيجة النهج "البيروقراطي" وضرورة إيجاد توافق بين 27 دولة ذات مصالح وتصورات متبانية، بيد أن أهمية القرار الأمريكي تكمن في نقله الجدل بشأن "الإخوان" من خانة التقدير السياسي إلى فضاء الشبهة الأمنية العابرة للأطلسي.
مرجعية سياسية وقانونية
وترجّح مصادر خاصة أن القرار الأمريكي سيستخدم كمرجعية سياسية وحقوقية في المؤسسات الأوروبية، لا بوصفه نموذجاً يُحتذى حرفياً، بل باعتباره حافزاً للذهاب بعيداً في احتواء ملف الإخوان، فهو قرار يقوّض أو يُضعف الحجة الأوروبية الحاضرة دائماً، وهي التذرع بـ"الحريات" و"حقوق الإنسان".
وتشير المصادر الخاصة إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالاً من الرقابة التقليدية إلى إجراءات أكثر صرامة، لافتة إلى أن بعض العواصم الأوروبية تناقش، بعيداً عن الأضواء، إمكان اعتماد توصيفات قانونية جديدة تضع تيارات الاسلام السياسي في خانة "التهديد" الذي يمهد بدوره لإجراءات أوسع، قد تصل إلى حد الحظر.
وتقول المصادر الخاصة إن هذا التحول سيشمل كذلك إعادة تقييم للجماعة، فبدل الاعتراف بها بوصفها ممثلاً جامعاً للجاليات المسلمة، يُجرى تداول مقاربات مختلفة تقوم على تفكيك هذا الاحتكار التمثيلي، وتشجيع هياكل إسلامية محلية معروفة باعتدالها ومراعاتها للقوانين والمعايير الأوروبية، وهو ما سيضعف دور المنظمات العابرة للحدود، كالإخوان، التي تروج لأجندات لا تتناسب مع السياق الأوروبي.
ووفقاً للمصادر، ثمة مؤشرات على أن بعض العواصم الأوروبية تدرس توسيع مفهوم "الأمن الوقائي" ليشمل البعدين الأيديولوجي والتنظيمي، وليس الأمني فقط، بمعنى أن الخطر لم يعد يقاس بوقوع أعمال عنف مباشرة، بل بقدرة بعض الجماعات على إنتاج "غيتوهات" معزولة ومغلقة تُضعف الاندماج، وتغذي سرديات الاغتراب السياسي، ومشاعر العنف والكراهية.
وفي ضوء ذلك، فان التعامل مع الإخوان لم يعد يُختزل في مسألة حريات دينية، بل كإشكالية تتعلق بتماسك المجتمع، فالخطر لا يكمن في النشاط العلني للجماعة بحد ذاته، بل في قدرتها على إنتاج منظومات موازية للقيم الأوروبية السائدة، واستثمار أجواء الحرية والتسامح لنشر ثقافة قائمة على نبذ الآخر.
ويترافق كل ذلك مع ما تسميه المصادر الخاصة بـ الإقصاء الناعم من الحيز العام"، فبدلاً من الحلول الصدامية، وهي متوقعة في ظل تنامي التهديد، تميل أوروبا إلى تقليص حضور هذه الجماعات عبر حملات إعلامية ممنهجة، وتوعية الرأي العام بخطورة ممارسات هذه الجماعات، لا سيما بعد وقوع عمليات "إرهابية" ثبت تورط ذوي الفكر المتطرف فيها.
أما على المستوى المالي، فتشير تقديرات خاصة إلى أن النقاشات الجارية داخل عدد من وزارات المالية والهيئات الرقابية الأوروبية تكشف عن توجه أوروبي حازم لتجفيف مصادر "القوة غير المرئية" لهذه الجماعات، وهي التمويل.
وبحسب تقارير استخبارية، فإن جماعة الإخوان نجحت، عبر عقود، في بناء شبكات مالية معقدة، تشمل: جمعيات خيرية، ومراكز تعليمية، وشركات خدمات، تعمل كغطاء لتعزيز النفوذ الأيديولوجي والتنظيمي والسياسي، وكثيراً ما أثيرت شبهات تتعلق بغسل الأموال أو الالتفاف على قوانين الرقابة المالية.
وما يعزز الفرضيات السابقة هو أن القرار الأمريكي جاء في لحظة كانت فيها أوروبا قد قطعت شوطاً واسعاً في التضييق على الإخوان، وغيرها من تيارات الإسلام السياسي، انطلاقاً من قناعة متنامية بأن التهديد لا يكمن في العمل العنفي المسلح، بل في التغلل البطيء داخل المجتمع، وتكريس أفكار راديكالية، تكون، غالباً، مقدمة لـ"عنف مؤجل".
ففي فرنسا، خرج الجدل بشأن الإخوان من إطاره المعتاد، ليصبح مسألة تتعلق بـ"تماسك الجمهورية"، وسط اتهامات رسمية بالسعي إلى إعادة هندسة الفضاء الاجتماعي بما يتعارض مع مبادئ العلمانية، أما النمسا.
فقد ذهبت أبعد عبر تقنين مفهوم "الإسلام السياسي"، واضعة التنظيمات المؤدلجة تحت طائلة الملاحقة القانونية المباشرة، وفي ألمانيا، تصف تقارير أمنية جماعة الإخوان بأنها شبكة "طويلة النفس" تراهن على التغلغل المؤسساتي لإنتاج هوية موازية لا تتوافق مع قيم البلاد.

وتشير مصادر خاصة إلى أن التصنيف الأمريكي خفّف العبء عن هذه الحكومات الأوروبية، إذ بات بالإمكان تبرير الإجراءات المشددة كجزء طبيعي من مسار غربي أوسع، لا مجرد نزعة محلية أو استجابة لضغوط اليمين المتطرف، وهي نقطة أخرى تشجع الحكومات على التحرك، ذلك أن هذا التيار استطاع توسيع قاعدته الانتخابية عبر استثمار ملفات الإسلام السياسي والهجرة.
"برميل بارود"
وبالعودة إلى السؤال، هل يشجع القرار الأمريكي أوروبا على تصنيف مماثل؟ فإن الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن التصنيف الأمريكي يفتح الباب واسعاً لكن "القارة العجوز" قد لا تتجرأ على عبوره فوراً، ذلك أنها لا تميل إلى القرارات الصادمة والمتسرعة، بل إلى الاستهداف المتدرج الذي يفرغ الكيانات المستهدفة من فاعليتها.
وتجنباً لتعقيدات الإجماع داخل الاتحاد الأوروبي، فمن غير المستبعد أن تعتمد بعض الدول الأوروبية تصنيفات للإخوان كجماعة "إرهابية" وقرارات حظر وطنية جزئية، فرغم أن الدول الأوروبية لا تحتاج إلى تعليمات وتوصيات من الخارج بخصوص ملف أمني شديد الحساسية، لكنها، غالباً، ما تستفيد من الغطاء الدولي، خاصة الحلف الأمريكي، حين تقرر تشديد قبضتها.
ورغم الفارق الواضح بين النهج الأمريكي الحاسم، خاصة في ظل إدارة ترامب، والمقاربة الأوروبية الحذرة والمرنة، إلا أن القاسم المشترك عبر الأطلسي يتسع بخصوص الإخوان، فهناك إدراك متزايد بأن الجماعة ليست مجرد حركة دعوية، بل بنية أيديولوجية "عابرة للأوطان"، وهي بمثابة "برميل بارود" لا ينبغي الانتظار حتى لحظة التفجير.