في تصريح سياسي لافت، أكّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّ بلاده تسعى لتجاوز مبدأ الرئيس الأسبق جيمس مونرو في التعامل مع أمريكا اللاتينية، نحو اعتماد ما وصفه بـ"مبدأ دونرو"، المشتق من اسمه "دونالد"؛ ويقوم المبدأ على فرض الهيمنة الأمريكية من خلال القوة العسكرية وفرض عقوبات اقتصادية صارمة، في محاولة لما وصفه بـ"تنظيف الحديقة الخلفية للبيت الأبيض".
وجيمس مونرو، هو خامس رؤساء الولايات المتحدة من 1817 إلى 1825 وأحد المؤسسبن لأمريكا.
ومبدأ "مونرو" هو برنامج للسياسة الخارجية الأمريكية أعلن عنه الرئيس الأسبق جيمس مونرو في ديسمبر/كانون الأول عام 1823، ودعا فيه القوى الأوروبية إلى الامتناع عن مزيد استعمار دول نصف الكرة الغربي، أو التدخّل السياسي في شؤونها، ومنذ ذلك التّاريخ صار هذا المبدأ يعبّر عن الرؤية التوسعية الأمريكية في منطقة أمريكا اللاتينية.

وخلال مؤتمر صحفي للإعلان عن الضربات الجوية الأمريكية التي استهدفت كراكاس وأسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، هدّد الرئيس دونالد ترامب بشكل مباشر الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو بمصير مشابه لمادورو إذا لم يغيّر سياساته ومواقفه، موجّهًا رسائل تحذير مماثلة إلى الرئيس الكوبي ميغال دياز كانيل ورئيسة المكسيك كلوديا شينباوم.
واتهم ترامب رؤساء هذه الدول بالمساهمة في انتشار المخدرات في المنطقة وفي تأمين وصولها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، سواء بعدم الانخراط الجدي في الحرب المعلنة ضدّ هذه الآفة، أو بالإسهام المباشر في الترويج لها والاتجار بها.
وفي تصريح سياسي يحمل أبعادًا إستراتيجية مهمة جدّّا، قال ترامب إنّ المبدأ التاريخي للسياسة الخارجية المعروف باسم "مبدأ مونرو" قد تم تجاوزه بشكل كامل وتم تعويضه بمبدأ "دونرو"، نسبة إلى "دونالد".
وقال ترامب للصحفيين: "مبدأ مونرو هو بالتـأكيد أمر مهم، ولكننا تجاوزناه بشكل كبير، تجاوزناه كثيرًا، الآن يسمى مبدأ "دونرو".
ولئن اعتبرت الإستراتيجية الأمنية الأمريكية المنشورة مؤخرًا، أنّ "مبدأ مونرو" يمثل خيطًا ناظمًا لإستراتيجيات وسياسات إدارة الرئيس ترامب في منطقة أمريكا اللاتينية، إذ تُعتبر عمقها القومي ومجال نفوذها الحيويّ، فإنّ التصعيد الأمريكي اللافت في فنزويلا يُشير إلى أنّ واشنطن تجاوزت رسميًّا عقيدة "مونرو" نحو "دونرو".
تتوافق المصادر السياسية والإستراتيجية المطلعة في نقطة أنّ سياسة الرئيس دونالد ترامب تمثل في الوقت ذاته امتدادًا وانعطافًا عن رؤية "مونرو"، فلئن تقاطعت معها في تصور أمريكا اللاتينية كفناء خلفي لواشنطن إلا أنّها اختلفت معها في مستويات التطبيق وفي مدى الاقتناع بقدرة القوة العسكرية على تغيير الأنظمة السياسية القائمة وتوجيه رسائل ردع صريحة للقوى الإقليمية والدولية المتوغلة والمتغولة في المنطقة.
وتشير في السياق ذاته، إلى أنّ "رؤية مونرو" كانت عبارة عن رسالة سياسية وإعلان مبادئ للاستعمار الأوروبي حينها بأنّ الفاعل الأمريكي يستعد للتوثب الإستراتيجي على المنطقة لإعلان نفسه لاعبًا إقليميًّا جديدًا، غير انّ مبدأ "دونرو" يقوم على استنطاق القوة العسكرية الأمريكية بأنّ المنطقة هي فضاء أمريكي أصيل، للاعب دولي وحيد قديم متجدد في النصف الغربي للكرة الأرضية.
ولئن ركز "مبدأ مونرو" على القوى الأوروبية (إسبانيا والبرتغال على وجه الخصوص)، فإنّ مبدأ دونرو يضع دائرة أوسع لهوية المستهدفين، وهي دائرة تشمل الأنظمة اليسارية أولًا، والأنظمة الإقليمية ثانيًا (الصين وروسيا وإيران)، مع وضع ديباجة تقوم على محاربة تجارة المخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
ولئن كان مبدأ مونرو بمثابة "الرؤية الوقائية" التي تدعو إسبانيا والبرتغال إلى الكف عن التدخل في شؤون المنطقة، فإنّ مبدأ "دونرو" يقوم على محاصرة القوى الإقليمية وسحب البساط من تحت أقدامها، وضرب مصالحها واستهداف قوتّها الناعمة والصلبة على حدّ السواء، لدفعها لمغادرة المنطقة بلا رجعة.
في هذا السياق يؤكد الخبراء المتابعون للشأن اللاتيني، أنّ مبدأ "دونرو" يقوم على 3 مقومات أساسية، وهي القوّة العسكرية المباشرة، ومصفوفة العقوبات الاقتصادية والسياسية القاسية، وإبداء الرضا الكامل عن الأنظمة الموالية من خلال حزمة من المساعدات المالية واللوجستية المعتبرة.
وتمثل الضربة العسكرية القاصمة والقاسية التي وجهتها واشنطن لكراكاس من خلال اعتقال رئيسها وعقيلته، واقتيادهما لنيويورك، أبرز مثال على استخدام القوة العسكرية المباشرة والصريحة في وجه الخصوم الألداء، بغض النظر عن المدونات القانونية والأعراف الدولية.
ووفقًا للمراقبين، فإنّ واشنطن تسعى بوضوح إلى تعميم الحالة الفنزويلية "فنزوَلة" على العواصم التي تعتبرها متمردة على الرغبة الأمريكية.
وفي هذه الخانة، يضع المراقبون بضع دول مهددة بسيناريو "الفنزولة"، وعلى رأسها كوبا ونيكاراغوا، وهما الدولتان اللتان سبق لوزير الخارجية الأمريكية مايك روبيو أن اعتبرهما بمعية فنزويلا "محورًا للشر" في المنطقة، متوعدًا إياهما بأقصى العقوبات وأقسى السيناريوهات.
ويُضاف لكوبا ونيكاراغوا، كلٌّ من كولومبيا، وبدرجة أقل البرازيل والشيلي والمكسيك وحتى بنما، وهي دول لا تزال تحت التهديد الأمريكي وإن لم تكن بالدّرجات ذاتها.
المقوم الثاني من مقومات "مبدأ دونرو" يقوم على العقوبات الاقتصادية القاسية، وهو إجراء ينقسم إلى قسمين اثنين، قسم أوّل خاص بالعقوبات على صادرات النّفط وبقية المواد الطاقية والتعدينية الأخرى، وهنا يبرز واضحًا المثال الكوبي، وقسم ثان خاص بالرسوم الجمركية على واردات بعض الدول حيث بلغت بعض الرسوم نسبة 100%، مثل غالبية واردات البرازيل.
أمّا المقوم الثالث، فيقوم على استمالة الأنظمة الموالية لواشنطن، وقد طبّق هذا الإجراء بشكل واضح في الأرجنتين حيث قُدمت للرئيس خافيير ميلي مساعدات مالية معتبرة، والأكثر من كل ما سبق أنّه طُبق ضمن الانتخابات الرئاسية الهندوراسية الأخيرة والتي تدخلت فيها إدارة الرئيس دونالد ترامب لصالح حليف واشنطن نصري عصفورة ضدّ منافسيه الآخرين.
إذ هدّد ترامب الناخبين بتعليق المساعدات الأمريكية في حال فوز أيّ من المترشحين المنافسين لعصفورة، بل ووصل الحدّ إلى تشويه سمعة المنافسين واتهامهم بالانتماء إلى الحركة الشيوعية؛ ما دعا رئيسة البلاد المنتهية ولايتها زيومارا كاسترو إلى اعتبار التدخل الأمريكي "انقلابًا سياسيًّا انتخابيًّا" في البلاد.
هكذا يتخذ "مبدأ دونرو" صيغة المباشرتية في التعامل مع الملفات المحليّة، وهو بهذه الصيغة يعيد ترتيب الإستراتيجيات الإقليمية في المنطقة ويضرب في الصميم المصالح التجارية والسياسية للقوى الدولية الأخرى.
في هذا المفصل، يؤكد الخبراء، أنّ عملية "مادورو" وجهت ضربة قاسية للاقتصاد الصينيّ، لا تقل ضراوة عن الضربة التي وجهتها بكين لواشنطن عند إجبارها على تخفيض الرسوم الجمركية إلى مستوى مقبول من الطرفين.
فإن أفضت العملية إلى إسقاط نظام مادورو برمته، ونقل السلطة إلى النخبة السياسية الموالية لواشنطن، فإنّ اعتراف النظام الجديد بالديون الصينية المتراكمة والكبيرة جدًّا أمر مستبعد جدًّا.
فالديون الصينية التي ناهزت الـ60 مليار دولار في 2016، والتي ربطت بكين منظومة تسديدها بميزة الحصول التفاضليّ على النّفط الفنزويلي بتدفق يقارب الـ400 ألف برميل يوميًّا، لا تزال لم تسدد كاملة بعد.
حيث تؤكد المصادر الاقتصادية أنّ الديون الصينية المتبقية سدادها من كراكاس، تقارب الـ20 مليار دولار.
ولئن عمدت واشنطن وحلفاؤها إلى ربط هذه المنظومة القائمة على مبدأ "النفط مقابل الديون" بتركة النظام القديم، فإنّ الصين قد تخسر ميزتين اثنتين، الأولى الميزة التفاضلية في الحصول على النفط الفنزويلي والذّي يُمثّل نسبة لابأس بها من الاستهلاك اليومي الصيني من البترول، والثانية خسارة باقي الدّيون.
كما انّ عملية اعتقال مادورو بذلك الطرح الاستعراضي، وجّهت ضربة مؤلمة للمنظومة الصاروخية الدفاعية الروسية التي زودت بها موسكو كاراكاس في إطار التوافق والتحالف الثنائي ضدّ واشنطن.
حيث مثلت العملية العسكرية من خلال قدرتها على التشويش على الرادارات وتعطيل الدفاعات والسيطرة على المجال الجوي في كراكاس، والوصول إلى المجمع العسكري واعتقال مادورو وعقيلته، واقتيادهما جوًّا إلى الولايات المتحدة الأمريكية ضربة مؤلمة للمنظومة الاستخباراتية والدفاعية الصاروخية الفنزويلية ولحليفتها الروسية أيضًا.
وبين الخسارة الاقتصادية الصينية، وضياع هيبة الدفاع الصاروخي الروسي، تسعى واشنطن عبر مبدأ "دونرو" إلى تقليم الدور الروسي وتحجيم الامتداد الصيني في المنطقة التي أعلنتها واشنطن "فناءً خلفيًّا وأرضًا مَشاعًا لها".