يواجه مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS) الفرنسي-الألماني-الإسباني مستقبلًا غامضًا بسبب الخلافات بين الشركات والدول، بعد أن كان يُنظر إليه على أنه الحل الأمثل لمواجهة المقاتلات الشبحية الأمريكية والصينية المتقدمة.
المشروع، الذي بدأ قبل أكثر من عقدين، يهدف إلى تطوير طائرة من الجيل السادس مجهزة بتقنيات التخفي والذكاء الاصطناعي، وقادرة على الطيران ضمن أسراب من الطائرات المسيّرة؛ إلا أن الاختلافات بين شركتي الدفاع الكبرى، داسو للطيران وإيرباص، حول من يقود تطوير الطائرة، أثارت قلق الدول المشاركة بشأن استدامة التعاون الأوروبي في مجال الدفاع.
وكشف النقاب عن النموذج الأولي للمقاتلة في 2019، لكن الخلافات المستمرة حول قيادة المشروع ومشاركة المقاولين، بالإضافة إلى الاختلافات السياسية بين باريس وبرلين، جعلت من FCAS دراسة حالة تبرز التحديات التي تواجه أوروبا في إنفاقها العسكري المشترك.
وبينما تؤكد داسو على ضرورة قيادة واضحة للمشروع، تعارض إيرباص التدخل الفرنسي في تحديد المقاولين، وهو خلاف يعكس انقسامات أعمق بين الدول الأوروبية حول استراتيجية الدفاع الموحدة.
تمثل هذه الخلافات جزءًا من مشكلة أوسع في أوروبا، حيث يتجاوز الإنفاق العسكري المشترك على الدول الأوروبية مجتمعةً إنفاق روسيا، ويتفوق على الصين، لكن العائد على هذا الإنفاق منخفض نسبيًا.
يعود السبب في ذلك إلى أن معظم الإنفاق يظل وطنيًا، مع تفضيل العقود المحلية على التعاون متعدد الجنسيات، ما يؤدي إلى تكرار الصناعات، وارتفاع التكاليف، وتشتت القدرات.
على سبيل المثال، زودت الدول الأوروبية أوكرانيا بأحد عشر نوعًا مختلفًا من المدافع عيار 155 ملم، ما يعكس نقص التوحيد القياسي. كما يوجد ثلاثة أنواع مختلفة من الطائرات المقاتلة في أوروبا، كلها متأخرة عن منافسيها الأمريكيين والصينيين والروس.
يُعد مشروع FCAS أحد الفرص لتقليص هذه الفجوة، لكنه يواجه عقبات بسبب الخلافات السياسية والصناعية.
ويرى محللون أن هناك حاجة ملحة لتوحيد ميزانيات التطوير وإسناد الإنتاج إلى شركات متعددة الجنسيات مثل MBDA، التي تمتلكها شركات BAE Systems وإيرباص وليوناردو، لتحقيق كفاءة أكبر وتجنب تكرار الجهود.
كما يشير الخبراء إلى أهمية دعم المشاريع التعاونية في الدبابات والصواريخ، التي نجحت إلى حد ما في توحيد القدرات رغم تحدياتها.
ويؤكد المسؤولون الأوروبيون أهمية التعاون العسكري المشترك لتعزيز مكانة القارة كركيزة أساسية في حلف الناتو ولضمان ردع فعال ضد التهديدات الروسية والصينية.
ويقول جان بول ألاري، الرئيس التنفيذي لشركة KNDS: "التعاون المشترك ليس أكثر من ضروري، بل هو مسألة إنفاق فعال لأموال الضرائب ومصداقية الدفاع الأوروبي في مواجهة التهديدات".
وقد أشار وزير الدفاع البريطاني جون هيلي إلى أهمية الجمع بين القدرات التقنية والصناعية للدول لتطوير أسلحة متقدمة مثل الصواريخ فرط الصوتية بعيدة المدى، وهو مجال تتخلف فيه أوروبا عن المنافسين.
ومن المتوقع أن تواصل الحكومات الأوروبية دعم المشاريع المشتركة، حتى وإن تم الاحتفاظ ببعض الإنتاج الوطني لضمان السيطرة على العمليات والصيانة.
يظل السؤال الرئيس: هل تستطيع أوروبا توحيد جهودها العسكرية والصناعية بشكل يحقق عائدًا أكبر على الإنفاق الدفاعي، أم أن الخلافات التاريخية بين الدول والشركات ستستمر في إضعاف مشاريعها المشتركة؟ مشروع FCAS، رغم أهميته التقنية، يعكس بوضوح الانقسامات العميقة التي تواجه أوروبا في بناء قدرات دفاعية متقدمة ومستدامة.