logo
العالم

من مقعد المراقب.. أوروبا تستكشف "مجلس السلام" بـ"دبلوماسية الانتظار"‎

ترامب خلال اجتماع مع زعماء أوربيين في وقت سابقالمصدر: (أ ب)

لم يقرر الاتحاد الأوروبي رفض فكرة  مجلس السلام بشكل حاسم، ولم يباركه على نحو واضح، بل آثر الحل الوسط عبر المشاركة في اجتماعه الأول، المقرر الخميس، بصفة مراقب، وهو ما يعكس تحفظ التكتل حيال مجلس يلفه بعض الغموض.

وقال متحدث باسم المفوضية الأوروبية، الإثنين، إن دوبرافكا شويتسا، مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون المتوسط، ستسافر إلى واشنطن للحضور بصفة مراقب في اجتماع مجلس السلام الذي شكله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وأضاف المتحدث: "المفوضية الأوروبية لن تصبح عضوًا في مجلس السلام، سنشارك في هذا الاجتماع بسبب التزامنا الراسخ منذ فترة طويلة بتطبيق وقف إطلاق النار في غزة على وجه الخصوص، بالإضافة إلى المشاركة في الجهود الدولية لدعم إعادة الإعمار والتعافي في غزة بعد الحرب".

الاندفاع الأوروبي

ومن الواضح، وفقًا لهذا التصريح، أن  بروكسل متحمسة للمشاركة في مجلس السلام شريطة أن يتمحور عمله على ملف قطاع غزة، غير أن التصدي لنزاعات دولية أخرى، بحسب الطرح الأمريكي، هو الذي "فرمل" الاندفاع الأوروبي الذي يرى أن هذا المسعى قد يقوض دور الأمم المتحدة، بوصفها المظلة الشرعية الأساسية لتسوية أي صراع.

وفي ضوء ذلك، يرى خبراء أن المشاركة الأوروبية بصفة مراقب لا تعد تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، بل تعبر عن موقف سياسي محسوب بدقة، فالقارة العجوز مهتمة بالجزء المتعلق بغزة، لكنها لا تنوي الانخراط الكامل في مجلس لم تتضح بعد حدود نفوذه وطبيعة عمله المستقبلي.

وفي إيطاليا، اختارت حكومة جورجا ميلوني المسار ذاته، رغم علاقتها الوثيقة بترامب، مشيرة إلى أن بعض بنود النظام الأساسي للمجلس قد لا تنسجم مع مقتضيات الدستور الإيطالي.

جدل في البرلمان الإيطالي

وفي موازاة ذلك، برز داخل البرلمان الإيطالي جدل حاد، عبّر عنه نواب من المعارضة اعتبروا أن الاندفاع نحو المجلس، حتى بصفة مراقب، قد يُفهم كاصطفاف سياسي غير مشروط مع واشنطن، محذرين من أن المجلس قد يتحول إلى أداة تهمّش دور الأمم المتحدة.

ويوضح خبراء أن القارة التي بنت هويتها السياسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على فكرة احترام الهيئات الأممية والقانون الدولي، تنظر بعين الشك إلى أي إطار دولي ناشئ لا يستند صراحة إلى مظلة الأمم المتحدة.

ورغم هذا التصور، فإن أوروبا لا تريد إغضاب الرئيس الأمريكي عبر رفض المشاركة بشكل حاسم، بل اختارت صفة مراقب لتجنب خلق شرخ علني مع واشنطن، خاصة أن التحالف عبر الأطلسي يمر، حاليًا، بمرحلة توتر وأزمة ثقة، إذ يكافح الجانبان لتضييق هوة الخلافات.

تثبيت وقف إطلاق النار

وما تأمله أوروبا من مجلس السلام يتمثل، وفقًا لخبراء، في تثبيت وقف إطلاق النار في غزة ضمن أفق سياسي واضح لا يختزل المسألة في إعادة إعمار منفصلة عن الحل السياسي الأشمل، وضمان أن تكون أي أموال تُرصد لإعادة الإعمار خاضعة لآليات رقابة دولية صارمة، بما يمنع تسييسها أو توظيفها في أجندات ضيقة، وإشراك مؤسسات فلسطينية معترف بها دوليًا في إدارة المرحلة الانتقالية، تجنبًا لخلق هياكل موازية تفتقر إلى الشرعية المحلية.

لكن الفيتو الأوروبي يظهر عندما يتنطع المجلس للعب أدوار أبعد من جغرافية غزة، الأمر الذي سيربك آليات المراقبة والمساءلة، وسيخلق انقسامًا أوروبيًا بين دول تميل إلى التقرب من واشنطن وترامب، وأخرى تعطي أولوية لاستقلالية القرار الأوروبي.

أخبار ذات علاقة

مقر المفوضية الأوروبية

"بصفة مراقب".. مفوضة أوروبية ستحضر اجتماع مجلس السلام

دبلوماسية الانتظار

ويلاحظ الخبراء أن السياسة الأوروبية، حاليًا، تتمثل في "دبلوماسية الانتظار"، فإذا نجح المجلس في تحقيق إنجازات سريعة وملموسة في غزة، فقد تميل بعض الحكومات إلى المطالبة بتعميق الانخراط فيه، أما إذا أخفق، فقد تتشدد مواقف دول أخرى وتختار مبدأ "النأي بالنفس".

وإذا كان اجتماع واشنطن سيحدد الإطار التنفيذي الأول للمجلس، فإن ما سيحدد مستقبل العلاقة الأوروبية به هو مدى قدرته على إثبات أنه مكمل للمؤسسات الأممية لا بديل عنها، وأنه لن يتحول إلى أداة نفوذ أحادي بيد واشنطن. عندئذ، وبحسب مراقبين، يمكن أن تنتقل أوروبا من مقعد المراقب إلى شريك كامل.

ومنذ إعلان ترامب تأسيس "مجلس السلام"، وصولًا إلى توقيع ميثاقه رسميًا في منتدى دافوس الشهر الفائت، بدا الموقف الأوروبي مترددًا، إذ ترى في المبادرة مؤشرًا لاحتمال إضعاف بنية النظام الدولي.

ومن هنا تنصب المقاربات الأوروبية، حاليًا، على استكشاف طبيعة المجلس: هل هو إطار مؤقت لإدارة مرحلة انتقالية في غزة، أم نواة لبنية دبلوماسية بديلة تتجاوز الأمم المتحدة؟ وهذا ما يفسر المشاركة الأوروبية بصفة مراقب.

ويشير خبراء إلى أن ترامب، في نظر كثير من العواصم الأوروبية، يجسد توجهًا سياسيًا لا ينسجم مع قيم القارة، فخلال ولايته السابقة انسحب من اتفاق باريس للمناخ، وجمّد مساهمات بلاده في منظمة الصحة العالمية، وهاجم الأمم المتحدة مرارًا، كما أبدى استياء متكررًا من كلفة الناتو على واشنطن، مطالبًا حلفاءه برفع الإنفاق الدفاعي.

مصادر القلق الأوروبي

ووفقًا لتقارير إعلامية، فإن أحد أبرز مصادر القلق الأوروبي يتمثل في الطبيعة "الهجينة" للمجلس؛ فهو ليس منظمة دولية تقليدية خاضعة لاتفاقية متعددة الأطراف، ولا هيئة أممية ذات قواعد مستقرة، بل كيان "هلامي" يرأسه ترامب بصلاحيات تنفيذية واسعة.

والأكثر إثارة للجدل، وفق القراءة الأوروبية، هو ربط العضوية الدائمة بدفع مليار دولار، ما يُضعف مبدأ المساواة بين الدول ويجعل القدرة المالية شرطًا للتمثيل.

ووصفت بعض النخب الأوروبية المبادرة بأنها "مجلس أمن مدفوع الثمن"، في إشارة إلى أن النفوذ قد يصبح رهناً بالقدرة على التمويل لا بالشرعية الدولية.

أخبار ذات علاقة

دونالد ترامب

عبر "مجلس السلام".. ترامب يعلن تقديم 5 مليارات دولار لقطاع غزة

ويخلص خبراء إلى القول بأن التأني الأوروبي حيال المجلس لا ينطلق من العداء لفكرة السلام أو رغبة في إحباط مبادرة أمريكية، بل من تخوف أعمق يتعلق بإدارة النزاعات بمنطق الصفقات تحت إدارة شخص واحد، وهو ترامب، البارع في عقد مثل هذه الصفقات.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC