في خطوة تُعيد إلى الأذهان عصر الإمبراطوريات الاستعمارية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أصدرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وثيقة استراتيجية الأمن القومي في ديسمبر/كانون الأول 2025، تعلن فيها عودة الولايات المتحدة لفرض هيمنتها على نصف الكرة الغربي، وتضع علامات استفهام حول علاقتها مع أوروبا.
هذه الوثيقة، إلى جانب تهديدات علنية بالسيطرة على أراضٍ أجنبية من فنزويلا إلى غرينلاند، تمثل تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية الأمريكية نحو منطق استعماري صريح لا يتستر خلف ادعاءات الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وثيقة الأمن القومي، وصفتها وكالة "رويترز" بأنها تصور رؤية ترامب على أنها "واقعية مرنة"، وتجادل بأن الولايات المتحدة يجب أن تحيي مبدأ مونرو من القرن التاسع عشر، الذي أعلن نصف الكرة الغربي منطقة نفوذ واشنطن، كما حذرت من أن أوروبا تواجه "محوا حضاريا" ويجب أن تغير مسارها.
الوثيقة المكونة من 29 صفحة تقول إن ترامب سيعيد "الهيمنة الأمريكية" في نصف الكرة الغربي ويضع المنطقة على رأس أولويات السياسة الخارجية للإدارة، واصفة هذا بـ"نتيجة ترامب الطبيعية" لمبدأ مونرو كاستعادة منطقية وقوية للقوة والأولويات الأمريكية.
منذ توليه منصبه في يناير 2025، انتقد معارضون خطاب ترامب، حيث يتحدث عن استعادة قناة بنما وضم غرينلاند وكندا، ومؤخراً، أضاف الوجود العسكري الأمريكي المتزايد في الكاريبي والهجوم على فنزويلا والتهديد بضرب دول أخرى، إلى المخاوف في منطقة لديها تاريخ مضطرب من التدخلات العسكرية الأمريكية.
صحيفة "واشنطن بوست" رأت أن الغارة الليلية التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، واصفة إياها بأنها أكثر مظاهر تعهد ترامب دراماتيكية لتركيز القوة الأمريكية على الأمريكتين، حيث يعيد البيت الأبيض خلق موقف تجاه نصف الكرة الغربي يشبه عصر بناء الإمبراطورية في القرن التاسع عشر أكثر من الموقف المتساهل للأجيال الأخيرة.
بعد الإعلان عن القبض على مادورو، تفاخر ترامب بـ"مبدأ مونرو"، وهو تحريف لاستراتيجية أعلنها الرئيس جيمس مونرو عام 1823 بأن القوى الأوروبية يجب أن تتوقف عن التدخل في نصف الكرة الغربي .
التهديدات الأمريكية لم تقتصر على أمريكا اللاتينية. وفقاً لـ"واشنطن بوست"، يقول ترامب "نحن بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي، إنها استراتيجية للغاية"، بل وعين في ديسمبر/كانون الأول 2025، مبعوثاً خاصاً مكلفاً بتعزيز المصالح الأمريكية بما في ذلك الاندماج المحتمل، مصرحاً بصراحة: "نحن بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي".
كما اتخذت الإدارة الأمريكية موقفاً قاتماً من حلفائها التقليديين في أوروبا.
وقال بعض المعلقين الأوروبيين إن الوثيقة تردد نقاط النقاش لأحزاب اليمين المتطرف الأوروبية، التي نمت لتصبح المعارضة الرئيسية للحكومات في ألمانيا وفرنسا وحلفاء أمريكيين تقليديين آخرين.
وكتب الأكاديمي شيلي واليا في تحليل لموقع "ذا وير" أن ما نشهده اليوم ليس مجرد مرحلة جديدة من الحزم الأمريكي، بل شيء أكثر أهمية: إعادة شرعنة الاستعمار نفسه ليصبح ممارسة سياسية مقبولة في القرن الحادي والعشرين، فتدخل ترامب في فنزويلا مقروناً بتهديداته الصريحة بشأن غرينلاند يمثل "لحظة كولومبوس"، ليس لأن أراضي جديدة يتم اكتشافها، بل لأن الغزو يُنطق به بصوت عالٍ مرة أخرى.
ويضيف واليا أنه "لعقود، اعتمدت القوة الأمريكية على الوساطة الأخلاقية، حتى أكثر تدخلاتها تدميراً صِيغت بلغة الإنسانية أو تعزيز الديمقراطية أو المسؤولية الدولية، لكن هذه الدبلوماسية المدعاة انهارت الآن، فنزويلا لم تعد تُناقش أساساً من حيث الحقوق أو الإصلاح، بل من حيث الحوكمة والسيطرة والإدارة.
من جهتها حذرت فيونا هيل، خبيرة بمؤسسة بروكينغز وكانت كبيرة مستشاري ترامب لشؤون روسيا في ولايته الأولى، من أن "الأمر يبدو وكأننا عدنا للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إذا اشتريت فكرة المنافسة بين القوى العظمى وأن روسيا قوة عظمى أخرى ستهيمن حتماً في منطقتها، تماماً كما الصين في منطقتها، فهذا هو الاستنتاج المنطقي".
الجهد الأمريكي يحمل مخاطر كبيرة، كما أوضحت "واشنطن بوست": يمكن أن تنجر واشنطن إلى غزوات بناء الدول التي أقسم ترامب طويلاً على تجنبها إذا كان الجيش أو الشعب الفنزويلي غير راغب في الامتثال لخططه، كما يجعل الأمر أصعب على الولايات المتحدة أن تجادل روسيا والصين بأن عليهما الابتعاد عن جيرانهما.
التحول الأمريكي نحو إحياء الإمبريالية الصريحة يمثل نقطة تحول في النظام العالمي، حيث تتخلى واشنطن عن دورها كضامن للنظام الدولي القائم على القواعد لصالح منطق القوة العارية واستعادة عصر "حق الأقوياء".