تقف فنزويلا مع مطلع عام 2026 أمام لحظة فارقة في تاريخها السياسي والاقتصادي، بعد التطورات الدراماتيكية التي انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وتعيين ديلسي رودريغيز رئيسةً مؤقتة للبلاد.
وبينما يرى البعض في هذا التحول فرصة للخروج من نفق الأزمة الطويلة، يحذر آخرون من أن ما جرى قد لا يتجاوز كونه انتقالًا هشًّا يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين، وفق مجلة "moderndiplomacy".
شكّل اعتقال مادورو بعملية عسكرية أمريكية صدمة داخلية وإقليمية، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول السيادة والشرعية في فنزويلا.
فبعد ساعات من الحادثة، أعلنت المحكمة العليا تعيين ديلسي رودريغيز رئيسة مؤقتة، في خطوة وُصفت رسميًّا بأنها تهدف إلى الحفاظ على استمرارية الدولة وتجنب الفراغ الدستوري.
غير أن هذا الانتقال لم يحظَ بإجماع داخلي. إذ ترى قوى سياسية ومعارضون أن الحكومة الجديدة تفتقر إلى الشرعية الشعبية لعدم مرورها عبر صناديق الاقتراع، كما أن التدخل الأمريكي المباشر ألقى بظلال ثقيلة على مصداقية العملية برمتها.
وفي المقابل، دافعت واشنطن عن تحركها، معتبرة أنه يهدف إلى "تسهيل انتقال منظم وآمن"، وهو ما قوبل بإدانات من دول اعتبرته انتهاكًا صارخًا للسيادة الفنزويلية.
في هذا السياق، يبدو انتقال السلطة أقرب إلى إعادة ترتيب داخل النخبة الحاكمة منه إلى قطيعة حقيقية مع النظام السابق، ما يجعل الاستقرار السياسي مرهونًا بقدرة القيادة الجديدة على بناء توافق داخلي أوسع.
اقتصاديًّا، تُظهر فنزويلا بعض المؤشرات الإيجابية بعد سنوات من الانكماش الحاد. فقد سجل الاقتصاد نموًّا ملحوظًا خلال عام 2025، مدفوعًا بزيادة صادرات النفط وتخفيف جزئي للعقوبات، إضافة إلى تدفقات مالية جديدة عبر اتفاقيات مع الولايات المتحدة.
وأسهمت عائدات النفط المسعّرة بالدولار في تهدئة سوق الصرف وخفض مستويات التضخم نسبيًّا.
وتعزز هذه المؤشرات تصريحات أمريكية عن إمكانية رفع إنتاج النفط الفنزويلي بنسبة كبيرة خلال الفترة المقبلة، ما يفتح الباب أمام استثمارات جديدة وإحياء قطاعات صناعية تضررت طويلًا.
إلا أن هذه الإيجابيات لا تخلو من هشاشة، إذ لا يزال الاقتصاد يعتمد بشكل شبه كلي على النفط، في ظل ضعف الإصلاحات الهيكلية واستمرار العجز المالي.
ويرى محللون أن أي انتعاش اقتصادي دون إصلاح مؤسسي حقيقي يظل عرضة للانتكاس، خاصة مع استمرار الفساد، وضعف البيئة الاستثمارية، وغياب سياسات تنويع مستدامة.
على المستوى الاجتماعي، لا تزال تداعيات الأزمة عميقة. فقد عانى المجتمع الفنزويلي لسنوات من تراجع حاد في مستويات المعيشة، ونقص الخدمات الأساسية، وانهيار منظومة الرعاية الصحية.
ورغم بوادر التحسن الاقتصادي، لم ينعكس ذلك بعد على حياة المواطنين بشكل ملموس، ما يبقي دوافع الهجرة الجماعية قائمة.
ويجمع مراقبون على أن نجاح المرحلة الانتقالية لا يُقاس فقط بالمؤشرات الاقتصادية، بل بقدرة الحكومة على استعادة ثقة الشارع، وتعزيز سيادة القانون، وإطلاق مسار سياسي أكثر شمولًا؛ فبدون إصلاحات مؤسسية حقيقية ومشاركة سياسية أوسع، قد يتحول الأمل الحالي إلى فرصة ضائعة أخرى.
تعكس فنزويلا بعد تغيير القيادة مشهدًا معقدًا تتداخل فيه فرص التعافي مع مخاطر الانتكاس. فالانتقال السياسي منح البلاد زخمًا أوليًّا، لكنه لم يحسم بعد معضلة الشرعية ولا جذور الأزمة العميقة.
وبين صحوة محتملة وأزمة متجددة، يبقى مستقبل فنزويلا مرهونًا بقدرة قيادتها الجديدة على تحويل الانتقال إلى تحول حقيقي ومستدام.