في خطوة وُصفت بأنها "بالغة الأهمية" للصناعات العسكرية الروسية وشركائها الدوليين، أعلنت موسكو عن اقترابها من تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج رقائق الميكروويف الدقيقة، وهي مكونات حيوية تدخل في أنظمة متقدمة مثل مقاتلة الجيل الخامس Su-57 ومنظومات الدفاع الجوي S-400 وS-500.
هذا التطور يحمل دلالات مباشرة على مستقبل التعاون العسكري بين روسيا والهند، ويبدد المخاوف المتزايدة من اعتماد موسكو على سلاسل توريد صينية في ظل العقوبات الغربية، بحسب صحيفة "يوراسيان تايمز".
وأعلن حاكم مقاطعة سفيردلوفسك، دينيس باسلر، أن شركة روسية بدأت تصميم وبناء أول مصنع في البلاد قادر على الإنتاج التسلسلي الكامل لرقائق الميكروويف الدقيقة، على أن يبدأ التشغيل بحلول نهاية عام 2027.
ومن المتوقع أن تبلغ الطاقة الإنتاجية للمصنع نحو 2000 رقاقة سيليكون سنويًا، في خطوة تهدف إلى تأمين احتياجات البرامج العسكرية الحساسة.
تُعد رقائق الميكروويف الدقيقة دوائر متكاملة تعمل في نطاق ترددات عالية تتراوح بين 300 ميغاهرتز و300 غيغاهرتز، وتستخدم على نطاق واسع في الرادارات، والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، والطائرات غير المأهولة، وأنظمة الحرب الإلكترونية.
ومن أبرز تطبيقاتها الدوائر المتكاملة أحادية الرقاقة (MMIC)، التي تجمع مكونات متعددة على ركيزة واحدة، غالبًا من زرنيخيد الغاليوم (GaAs)، ما يتيح معالجة فائقة السرعة للإشارات في الزمن الحقيقي.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الرقائق ستُستخدم في رادار N036 Byelka المحمول جوًا الخاص بمقاتلة Su-57، إضافة إلى رادارات أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة مثل 96L6 و98L6 Yenisei المرتبطة بمنظومات S-400 وS-500.
يمثل رادار N036 Byelka أحد أكثر مكونات Su-57 تطورًا، إذ يعتمد على مصفوفة مسح إلكتروني نشط (AESA) في نطاق X، مع مئات وحدات الإرسال والاستقبال التي توفر مدى كشف واسعًا، وقدرة على تتبع عشرات الأهداف الجوية والأرضية في آن واحد، إلى جانب مقاومة عالية للتشويش الإلكتروني.
أما رادار Yenisei، المطور أساسًا لمنظومة S-500، فيعمل في نطاق S، ويوفر قدرات كشف تصل إلى 600 كيلومتر، مع دقة عالية في تتبع الأهداف الباليستية والديناميكية الهوائية.
ويمكن دمج هذا الرادار أيضًا مع بطاريات S-400 لتعزيز فعالية التوجيه في بيئات الحرب الإلكترونية المعقدة.
خلال العامين الماضيين، تزايدت التكهنات حول اعتماد روسيا على الصين في الحصول على الرقائق الدقيقة والمكونات الإلكترونية، خاصة بعد فرض العقوبات الغربية في 2022.
وتشير بيانات تجارية إلى أن الصين زودت روسيا بنحو 90% من احتياجاتها من الإلكترونيات الدقيقة خلال الفترة 2023–2024.
ورغم أن روسيا تمتلك شركات محلية مثل Mikropribor وIstok قادرة على إنتاج MMICs، فإن هذه الشركات كانت تعتمد جزئيًا على معدات ومكونات غربية.
ويرى محللون أن الصين لعبت دور "الوسيط" في توفير بعض هذه المكونات، وليس بالضرورة كمُصنّع رئيسي لرقائق أنظمة مثل S-400.
غير أن إعلان موسكو عن مصنع محلي متكامل للإنتاج التسلسلي يُعد تحولًا استراتيجيًا، يهدف إلى إنهاء هذا الاعتماد المؤقت وضمان الاستقلال التقني طويل الأمد.
بالنسبة للهند، التي تشغّل حاليًا ثلاث منظومات S-400، وتخطط للحصول على ما لا يقل عن عشر منظومات مستقبلًا، يحمل هذا التطور أهمية خاصة.
كما تجري شركة HAL الهندية محادثات متقدمة مع شركة الطائرات المتحدة الروسية (UAC) بشأن التصنيع المحلي المحتمل لمقاتلة Su-57.
ويشير محللون إلى أن التقدم الروسي في تصنيع رقائق MMIC محليًا يقلل بشكل كبير من أي مخاطر مرتبطة بالاعتماد على الصين، سواء بالنسبة لمنظومات S-400 أو برامج الطائرات الشبحية المستقبلية.
علاوة على ذلك، تمتلك الهند نفسها خططًا طموحة في مجال أشباه الموصلات ضمن "مهمة أشباه الموصلات الهندية"، بما في ذلك تصميم رقائق متقدمة تصل إلى دقة 3 نانومتر، إلى جانب مشاريع مشتركة مع الولايات المتحدة لإنتاج رقائق GaN وSiC بحلول عام 2029.
في المحصلة، يشير هذا المسار المتوازي في موسكو ونيودلهي إلى أن مستقبل التعاون الدفاعي بين البلدين بات أكثر تحصينًا تقنيًا، وأقل عرضة للتقلبات الجيوسياسية وسلاسل التوريد الخارجية.