في الذكرى الرابعة لاندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تجد فرنسا نفسها أمام سؤال وجودي لا تستطيع الهروب منه بعد الآن، عما إذا كانت مستعدة فعلًا للحرب، وعما إذا كان الفرنسيون المحميون عقودًا بمظلة الردع النووي، يقبلون أن يتحوّل اقتصادهم وحياتهم اليومية إلى ما يشبه اقتصاد الحرب.
وفي خضم هذا الوضع القائم، بين الحكومة التي تُحشّد، وشعب لم يستوعب بعد المشهد الجيوسياسي الجديد، تتشكّل هوّة عميقة تُقلق المحللين والمؤرخين على حدٍّ سواء.
تكشف المؤرخة بينيديكت شيرون، في مقابلة موسّعة مع مجلة "ليكسبريس" الفرنسية، أنه رغم أن الحرب في أوكرانيا احتلّت مركزًا أكبر في النقاش العام، فإن "كثيرًا من الفرنسيين باتوا يعدّونها أزمة كالأزمات الأخرى"، مشيرةً إلى أن الجمهور المتابع لقنوات الأخبار المستمرة يبقى "محدودًا ومتشتتًا". وخلاصة تشخيصها: المجتمع الفرنسي لا يرى بعد ما الذي يُستدعى للتضحية من أجله.
في الوقت ذاته، تتحرك السلطات بخطى لافتة. فقد كشفت صحيفة "لو كانار أونشينيه" أن وزيرة الصحة السابقة كاترين فوترين وجّهت رسائل إلى المستشفيات تطلب منها الاستعداد لـ"انتشار عسكري كبير" بحلول مارس/آذار 2026، وإعداد مناطق طبية للتدخل السريع قرب الموانئ والمطارات.
وأكدت الوزيرة حينها صحة الرسائل، فيما أوضحت السلطات الفرنسية أن المستشفيات تحتاج إلى الاستعداد لاستقبال جرحى عسكريين محتملين من فرنسا والخارج في نظامها الصحي المدني.
وعلى صعيد الميزانية، تستهدف فرنسا ضخ 42 مليار يورو في قواتها المسلحة خلال عام 2026، في رهان يكشف أن باريس تسعى إلى الاحتفاظ بمكانتها قوةً عسكرية من الدرجة الأولى لا على الورق فحسب، بل بالحجم والقدرة والتغطية.
ويُرسّخ ذلك قانون البرمجة العسكرية 2024-2030 الذي يرصد نحو 413 مليار يورو على مدى سبع سنوات، وهو أكبر توسع في الإنفاق الدفاعي منذ عقود، مدفوعًا بمراجعة استراتيجية تُعرّف روسيا باعتبارها التهديد الرئيسي للأمن الأوروبي، وتُحدد هدف الجاهزية الكاملة لحرب عالية الكثافة بحلول عام 2030.
تردّ شيرون على وهم أن القنبلة النووية تُغني عن أي حرب تقليدية بقولها إن فرنسا واصلت المشاركة في نزاعات مسلحة منذ الستينيات حتى اليوم، وأن الخصوصية الفرنسية تكمن في أن الجندي لا يُعرَّف أولًا بالاستعداد للموت، بل "بالاستعداد للقتل باسم الجماعة السياسية"، وهو تمييز جوهري يغيب عن الوعي الشعبي الفرنسي.
أما السؤال الحقيقي الذي يطرحه الجنرالات والساسة على حدٍّ سواء، فهو: من يشمل الـ"نحن" في أي مواجهة مستقبلية؟ هل هي فرنسا وحدها، أم فرنسا وأوروبا، أم الناتو بأسره؟
في سياق تحوّل أوروبي واسع، باتت دول عدة تُعيد النظر في منظومة التجنيد العسكري؛ فكرواتيا صوّتت أواخر 2025 على إعادة التدريب العسكري الإلزامي بدءًا من 2026، فيما تُعدّ ألمانيا لإرسال استبيانات لجميع الشباب في سن 18 لتقييم استعدادهم للانخراط في الخدمة العسكرية.
في فرنسا، يعود الجدال دوريًا حول إحياء الخدمة العسكرية الإلزامية، غير أن شيرون تُحذّر من "الأساطير الفرنسية" في هذا الملف، موضحةً أن المواطنين يحنّون إلى دور الخدمة التكاملي الاجتماعي، لا إلى إعداد جيش حرب فعلي.
وفي نهاية المطاف، تلخّص شيرون المعضلة الكبرى بعبارة قاطعة: المجتمعات لا تتحرك نحو التعبئة إلا حين تشعر أن ثمة شيئًا وجوديًا مهددًا في عمق حياتها اليومية. والفرنسيون اليوم يرون الخطر الروسي من بعيد، لكنهم لم يشعروا بعد بحرارة النيران في شوارعهم.