القناة 15 عن مصدر إسرائيلي: الجيش يسيطر على 5% من مساحة لبنان و5 فرق تعمل في الجنوب
لم تأتِ زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى باكستان كجزء من جولة تفاوضية جديدة مع واشنطن، بل كرسالة سياسية مختلفة، هدفها؛ وفقاً لقراءات متعددة، تثبيت القناة الباكستانية باعتبارها المسار القابل للاستمرار في ظل تآكل قنوات الوساطة التقليدية. فالمشهد الحالي لا يعكس فقط تعثراً في المفاوضات، بل إعادة رسم لخريطة الوسطاء، وانتقالها من نمط دبلوماسي هادئ إلى نمط أمني–سياسي أكثر صلابة.
تراجع القنوات التقليدية
لطالما شكّلت سلطنة عُمان البوابة الأكثر استقراراً بين طهران وواشنطن، من القنوات السرية التي سبقت الاتفاق النووي إلى جولات لاحقة من المحادثات غير المباشرة. غير أن تقارير "رويترز" تشير إلى تراجع دور مسقط مع تصاعد الحرب وتعثر جولات مطلع 2026، ما قلّص هامش الوساطة الهادئة التي ميّزتها لعقد كامل.
في المقابل، بدت قطر أكثر حذراً في هذه المرحلة، إذ تحركت في موقع داعم لا قائد، وفق معطيات إقليمية، مع تجنب لعب دور الوسيط الرئيسي في بيئة تفاوضية عالية المخاطر. وهكذا، تراجعت القناتان اللتان شكلتا العمود الفقري للدبلوماسية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة.
باكستان تملأ الفراغ
في هذا الفراغ، برزت باكستان كوسيط رئيسي، إذ مثلت محادثات إسلام آباد في نيسان/ أبريل 2026 أول إطار تفاوضي عالي المستوى بين الطرفين منذ سنوات، برعاية باكستانية، في تحول وصفته تقارير "رويترز" بأنه انتقال سريع من الهامش إلى مركز الوساطة.
لكن المسار لم يكن سلساً. فبعد الجولة الأولى، نقلت وسائل إعلام دولية عن مصادر باكستانية انزعاجها من تردد طهران في العودة إلى جولة ثانية، واعتبرت التلويح الإيراني بالتأجيل "مناورة" تعقّد تثبيت المسار التفاوضي. هذا العتب يعكس أن القناة الحالية، رغم أهميتها، لا تزال هشة وتحتاج إلى تثبيت سياسي مستمر.
زيارة عراقجي.. ترميم لا تفاوض
في هذا السياق، تكتسب زيارة عباس عراقجي معناها الحقيقي. فبحسب تقارير "سي إن إن" و"رويترز"، لا تهدف الزيارة إلى التفاوض مع واشنطن، بل إلى لقاء المسؤولين الباكستانيين وإعادة تأكيد التزام طهران بالقناة القائمة. بمعنى آخر، تتحرك إيران اليوم للحفاظ على الوسيط نفسه قبل البحث في مضمون التفاوض، في إشارة إلى أن الأزمة لم تعد في "الشروط" فقط، بل في استمرارية المسار ذاته.
وسطاء بلا شروط كاملة
في المقابل، تبدو خيارات الوساطة الأخرى محدودة. وبالرغم من أن تركيا ومصر شاركتا في اتصالات تمهيدية، لكن تحليلات نشرتها الغارديان تشير إلى قيود بنيوية تمنع تحولهما إلى وسطاء رئيسيين. فأنقرة تبقى طرفاً ذا أجندة إقليمية متشابكة وعلاقات أمنية مع الغرب، فيما تفتقر القاهرة إلى قنوات اتصال عميقة مع طهران تتيح إدارة تفاوض معقّد.
هنا تبرز زاوية إضافية تعزز موقع باكستان، تتمثل في الدور الصيني غير المباشر. فالصين، وفق تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تفضّل دعم مسارات التهدئة دون الانخراط المباشر، ما يجعلها توفر مظلة سياسية لوساطات إقليمية مثل المسار الباكستاني، مستفيدة من علاقاتها الاستراتيجية مع الطرفين.
منصة توازن
في هذا السياق، يرى الباحث السياسي علي حمادة أن "إيران لم تعد تتحرك ضمن رفاهية اختيار الوسطاء كما في السابق، بل أصبحت تتعامل مع ما هو متاح في بيئة إقليمية ودولية ضاغطة"، مشيراً إلى أن "تراجع أدوار عُمان وقطر يعكس تغير طبيعة الصراع من دبلوماسي إلى أمني - عسكري، وهو ما يتطلب وسيطاً مختلفاً".
ويضيف حمادة أن "باكستان لا تمثل فقط وسيطاً، بل منصة توازن مؤقتة، مدعومة بعلاقات مع واشنطن وبغطاء صيني غير مباشر، ما يجعلها الخيار الواقعي الوحيد حالياً"، محذراً في الوقت نفسه من أن "أي اهتزاز في هذه القناة قد يضع إيران أمام عزلة تفاوضية غير مسبوقة".
بناء على قراءات متعددة، يبدو أن التحركات الأخيرة تتجاوز تبدّل موقع المفاوضات. إنه انتقال من وساطة تقليدية إلى وساطة أمنية - سياسية، تفرضها طبيعة الحرب. وفي هذا السياق، تصبح زيارة عراقجي إشارة واضحة إلى أن القناة الباكستانية ليست خياراً إضافياً، بل الخيط الأخير الذي لا تريد طهران أن ينقطع.