logo
العالم

“ذا أتلانتيك”: إدارة ترامب تجاهلت تقديرات مخاطر الحرب

مجسمات صواريخ إيرانية معروضة وسط طهرانالمصدر: رويترز

أفادت مجلة "ذا أتلانتيك" بأن أجهزة الاستخبارات الأمريكية قدّمت قبل اندلاع حرب إيران صورة واضحة لمسار التصعيد المحتمل، شملت أدوات الرد الإيراني ونطاقه وتوقيته، لكن هذه الصورة لم تُترجم إلى قرار سياسي متسق معها، ما أدى إلى الوصول للسيناريو الأسوأ تقريبًا كما هو متوقع.

وتعكس تلك الرؤية، تحولًا عميقًا في طبيعة "الإخفاق"، من خلل في جمع المعلومات، كما حدث في العراق، إلى خلل في استيعابها والتصرف بناءً عليها.

وبعبارة أخرى، لم يكن ما جرى نتيجة "عمى استخباراتي"، بل نتيجة انفصال بين المعرفة والقرار، حيث أصبحت المعلومات متوفرة لكن غير حاسمة في توجيه السياسة، وذلك في مفارقة نادرة في تاريخ الحروب الأمريكية.

تجاهل سياسي

وبيّنت المجلة أنه على خلاف السردية التقليدية التي تربط الحروب بسوء تقدير استخباراتي، تشير المعطيات إلى أن المؤسسات الأمريكية المعنية قدّمت تقييمًا متماسكًا لسلوك إيران في حال تعرضها لهجوم، ولم يقتصر على الجانب العسكري، بل امتد إلى الأبعاد الاقتصادية واللوجستية للتصعيد.

أخبار ذات علاقة

مُهل ترامب لإيران

من 60 يوماً إلى 48 ساعة.. تصاعد درامي في إنذارات ترامب لإيران

وأشارت إلى أن التقديرات لم ترصد نية إيرانية وشيكة لاستخدام سلاح نووي، ولم تعتبر أن طهران تمتلك القدرة الصاروخية لضرب الولايات المتحدة، لكنها حذّرت بوضوح من مسار مختلف، يتمثل في رد إقليمي واسع، واستهداف لدول الخليج، ومحاولة إغلاق مضيق هرمز كأداة ضغط اقتصادية عالمية، بما يشمل تعطيل تدفقات الطاقة ورفع كلفة التأمين البحري وإعادة توجيه مسارات الشحن.

ورغم ذلك، جرى تبني خطاب سياسي مختلف، قدّم التهديد على أنه مباشر وفوري، ما شكّل أساسًا لقرار عسكري لم يكن منسجمًا مع التقييمات المتاحة، ولم يكن هذا التباين مجرد اختلاف في الزاوية، بل إعادة تعريف لطبيعة التهديد نفسه، وفقًا للمجلة.

من التوقع إلى الواقع

وما حدث لاحقًا، بحسب المجلة، لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان تطبيقًا عمليًا لما سبق التحذير منه، فقد تحركت إيران سريعًا نحو استخدام مضيق هرمز كورقة استراتيجية، ليس فقط عبر التهديد بالإغلاق، بل عبر إيجاد بيئة عالية المخاطر للشحن البحري، ما أدى إلى ارتفاع أقساط التأمين وامتناع بعض شركات النقل عن المرور، لينعكس مباشرة على أسعار الطاقة.

وأعادت هذه الخطوة تسعير المخاطر الجيوسياسية على مستوى الاقتصاد العالمي، حيث لم يعد النفط يُسعّر فقط بناءً على العرض والطلب، بل على احتمالات التعطيل، وهو ما أدخل الأسواق في حالة تقلب حاد، كما امتد التأثير إلى سلاسل الإمداد الصناعية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالبتروكيماويات والأسمدة، التي تعتمد على تدفقات مستقرة من الخليج.

وفي الداخل الإيراني، لم تؤدِ الضربات إلى إضعاف النظام كما كان متوقعًا سياسيًا، بل عززت موقع التيار المتشدد، الذي وجد في "الصمود" مصدر شرعية إضافي، ما أعاد ترتيب التوازنات الداخلية باتجاه أكثر تشددًا وأقل قابلية للتسوية.

النية لا تعني القدرة

ورأت المجلة أن أحد أبرز أوجه التباين يتمثل في التعامل مع الملف النووي الإيراني، ففي حين صُوّر التهديد على أنه وشيك، أظهرت التقديرات الاستخباراتية أن تطوير صاروخ عابر للقارات قادر على حمل رأس نووي إلى الولايات المتحدة لن يكون ممكنًا قبل عام 2035، وحتى ذلك الحين فقط إذا قررت إيران المضي في هذا المسار.

وبحسب المجلة، فإن هذا التمييز بين "النية" و"القدرة" لم يكن تفصيلاً تقنيًا، بل عنصرًا حاسمًا في تقييم مستوى التهديد، فالدول تُردع بناءً على ما تستطيع فعله، لا ما قد ترغب فيه، لكن تجاهل هذا الفارق أدى إلى تضخيم الخطر في الخطاب السياسي، مقابل قراءة أكثر تحفظًا داخل المؤسسات الاستخباراتية، وهو ما ساهم في تسريع القرار بدل تأجيله.

مفاجأة أم تجاهل؟

ونوهت المجلة إلى أن رد الفعل الأمريكي على التصعيد الإيراني اتسم بقدر من "الدهشة"، رغم أن سيناريوهات الرد، بما فيها إغلاق المضيق واستهداف دول الخليج، كانت ضمن التقديرات الأساسية قبل الحرب.

أخبار ذات علاقة

دونالد ترامب

استراتيجية التصعيد اللفظي.. كيف كسب ترامب 3 "معارك كلامية"؟

حتى إن هذه السيناريوهات ليست فقط تقديرات نظرية، بل جزء من التخطيط العسكري الأمريكي نفسه، ما يعزز فرضية أن المشكلة لم تكن في نقص المعلومات، بل في التقليل من وزنها أو استبعادها في لحظة اتخاذ القرار. وفي هذا السياق، تبدو "المفاجأة" أقرب إلى فجوة في التوقع السياسي منها إلى نقص في المعرفة"، على ما ذكرت المجلة.

أسئلة بلا إجابات

وداخل واشنطن، فتح هذا التباين بابًا لأسئلة حساسة حول العلاقة بين الاستخبارات وصانع القرار، وحول ما إذا كانت التقديرات قد قُدمت بوضوح كافٍ، أم أنها جرى تهميشها ضمن عملية اتخاذ القرار.

وتساءل أعضاء في الكونغرس صراحة عن مدى تطابق مبررات الحرب مع التقييمات الفعلية، فيما أكد مسؤولون استخباراتيون أنهم قدموا إحاطات متكررة للرئيس، تضمنت تحذيرات واضحة من الرد الإيراني المحتمل، بما في ذلك استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية في المنطقة، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية عالمية.

كما عكست استقالة مسؤول أمني بارز اعتراضًا ضمنيًا على توصيف التهديد باعتباره “وشيكًا”، ما يشير إلى وجود فجوة داخلية في فهم طبيعة المخاطر، وربما في طريقة عرضها أو استقبالها.

إخفاق من نوع مختلف

وبحسب المجلة، تكشف هذه التجربة، نمطًا مختلفًا من الإخفاقات الاستراتيجية، ففي العراق، كان الخطأ في المعلومات، أما في إيران، فالمعلومات كانت متوفرة، بل دقيقة، لكن القرار سار في اتجاه آخر، وهذا النوع من الإخفاق يعتبر أكثر تعقيدًا، لأنه لا يمكن تصحيحه بسهولة عبر تحسين أدوات التحليل أو جمع البيانات.

وأكدت المجلة: هنا تكمن المفارقة الأخطر؛ عندما تكون الصورة واضحة، يصبح تجاهلها أكثر كلفة من غيابها، لأن الخطأ لا يعود نتيجة نقص في المعرفة، بل نتيجة اختيار واعٍ بتجاوزها.

بين العراق وإيران

وتطرح المقارنة بين التجربتين سؤالًا أعمق حول آلية اتخاذ القرار في واشنطن، ليس فقط في ما يتعلق بالمعلومات، بل بكيفية استخدامها سياسيًا.

وإذا كان درس العراق يتمحور حول مخاطر الاعتماد على معلومات غير دقيقة، فإن درس إيران يتمحور حول مخاطر تجاهل المعلومات الدقيقة، أو إعادة تفسيرها بما يتوافق مع مسار سياسي محدد مسبقًا.

وفي الحالتين، النتيجة واحدة؛ انخراط عسكري واسع، وتداعيات اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز الحسابات الأولية، وتمتد آثارها إلى أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، واستقرار المناطق الحيوية عالميًا.

لكن في الحالة الإيرانية، وفق ما خلصت إليه المجلة، لا يمكن إرجاع المسار إلى "خطأ في التقدير"، بل إلى خيار سياسي اتخذ رغم وضوح التحذيرات، وهو ما يجعل كلفته الاستراتيجية مفتوحة، ليس فقط على مسار الحرب، بل على شكل النظام الإقليمي والاقتصادي في المرحلة المقبلة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC