اعتبر خبراء في العلاقات الدولية أن تضارب الروايات بشأن نقاط الخلاف في مسودة الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران يضعها في حكم "الميتة قبل ولادتها"، ويلقي بظلال من الشك على جدوى المباحثات التي تنطلق في العاصمة الباكستانية، الجمعة.
وأوضحوا لـ"إرم نيوز" أن التوصل إلى اتفاق لا يبدو مطروحًا في الأفق في ظل هذه الروايات والبنود المتناقضة، مشيرين إلى مخاوف من تعاطي الجانب الإيراني مع المفاوضات عبر خطاب دعائي موجّه للداخل باللغة الفارسية.
ومع بدء سريان الهدنة، برزت روايات متناقضة، من بينها اختلاف في المواقف بين باكستان وإسرائيل بشأن ما إذا كان الاتفاق يتضمن وقفًا لإطلاق النار في لبنان. وفي المقابل، روّجت إيران داخليًا لبيان يتضمن بنودًا تقدمها بصورة "المنتصر"، على خلاف بيان آخر باللغة الإنجليزية يُتداول دوليًا ويعكس صياغات مختلفة في المضمون والتفسير.
ويقول الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور ميشال الشماعي، إن تعدد الروايات بشأن مسودة الاتفاق وتباين بنودها بين الأطراف المعنية، حتى في الخطاب الموجّه للرأي العام، يعزز مؤشرات تعثره قبل ولادته، إذ من شأن ذلك أن يعيق التوافق على صيغة نهائية ومستقرة للبنود.
وأضاف الشماعي لـ"إرم نيوز"، أن "الجانب الإيراني هلك على كافة المستويات وفي موقف ضعف وهو الذي ذهب للعمل على هذا الاتفاق الذي يفرض فيه الأمريكي شروطه، والخطر في أن يصدق المفاوض الإيراني نفسه ويعتمد الشروط التي يقدمها لجمهوره".
وتابع: "ليس غريبًا على النظام الإيراني إظهار الحالة وكأنه منتصر، وذلك ما هو واضح في تقديمه، على الأقل للداخل وحاضنته وجمهوره، في بيان يقدّم بنودًا على أنها حققت كل أهدافه، وهو ما يبتعد عن الحقيقة".
ويؤكد الشماعي أن الجانب الإيراني استطاع الوصول إلى وقف إطلاق النار وهذا إنجاز له على الرغم من عدم تضمنه البنود التي يروج لها، في وقت يخرج من هذه الحرب باغتيال قادته وتدمير معسكرات الحرس الثوري والباسيج وضرب قواته البحرية والجوية.
وذكر أن "الخسائر الإيرانية تكاد تقدر بـ700 مليار دولار والمفاعلات الرئيسية في حاجة إلى 20 عامًا، للعودة إلى العمل مجددًا بسبب القصف، في حين أنه يروج لرفع العقوبات على عكس ما يصدر من واشنطن".
ويرى الشماعي أن هذا الاتفاق في حال إتمامه، سيمهد إيران لتكون نسخة من فنزويلا وأن تتعاون مع الولايات المتحدة، ضمن آلية الاستسلام للواقع وستنفذ تدريجيًا ما يريده ترامب.
وقال "هذا لا يمنع ترويج الإيراني لانتصار بعيد عن الواقع في وقت دمرت مقومات البنية الأساسية من جهة، ومن جهة أخرى، فإن كل هذه الخسائر، تمهد لانفجار سيكون مختلفًا من الشعب الإيراني الذي يتأهب لمواجهة النظام بعد الحرب".
وتكشف الروايات المتناقضة على أرض الواقع، من أطراف النزاع، وفق الباحث السياسي اللبناني، قاسم يوسف، أن الوصول إلى اتفاق ليس حاضرًا في الأفق، وما شهده لبنان أخيرًا خير دليل.
ويعتقد يوسف لـ"إرم نيوز"، أن الاتفاق لم يشمل وقف الحرب في لبنان، وذلك بعلم إيران، التي اكتفت بتصريحات تحمل عكس ذلك وقت إعلان الهدنة، لحفظ ماء وجهها أمام أذرعها وبيئتها.
وفيما يتعلق بالروايات المتناقضة حول مسودة الاتفاق من جانب طهران، بين خطاب موجه للداخل باللغة الفارسية وآخر موجه للخارج، أشار يوسف إلى أن إيران اعتادت في أي اتفاق أن تقدّمه على أنه يصب في مصلحتها.
واستكمل أن الرواية الإيرانية الموجّهة إلى جمهورها بشأن فرض شروطها جاءت في وقت بدا فيه، وفق تعبيره، أنها ذهبت إلى القبول بالشروط في اللحظات الأخيرة من المهلة التي حددها ترامب.
واعتبر يوسف أنه لا يهم طهران في هذا التوقيت، سوى الخروج من عنق الزجاجة قبل الذهاب إلى التدمير الهائل الذي وعد به ترامب، حيث أنقذت نظامها، ولا يوجد أي اعتبار في ذهن طهران حاليًا، ما تتعرض له الأذرع، لاسيما حزب الله.
وتابع بالقول إن إيران تخاطب جمهورها دعائيًا، بعدم التزامها بالهدنة، إن لم تتوقف الحرب في لبنان، لاسيما أن النظام استطاع عبر وقف إطلاق النار، الهروب من فاجعة له، وكل ما يهمه هو البقاء وعدم تدمير البنية التحتية للنفط والطاقة.
ولفت يوسف أن ملف سلاح الأذرع لاسيما حزب الله، لن يكون إلا من خلال اتفاق خاص لتسليم الأخير ترسانته بشكل كامل أو الذهاب إلى عملية عسكرية لمدة أشهر، لنزعها بالقوة.