تحوّلت قمة دافوس هذا العام إلى ساحة اشتباك دبلوماسي مفتوح بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يحمل أجندة تُعيد تعريف العلاقات الدولية بمنطق القوة المباشرة والمصلحة الفردية، لا بمنطق التحالفات أو القواعد المشتركة.
وبحسب "نيويورك تايمز"، فإن ترامب، الذي اعتاد قلب طاولات القمم الدولية، يصل إلى المنتدى الاقتصادي العالمي وسط قلق غير مسبوق لدى شركاء تاريخيين باتوا يعيدون تقييم علاقتهم بواشنطن، فالمسألة هذه المرة لا تتعلق بخلاف تجاري عابر أو بتباين في أولويات الأمن، بل بتهديدات صريحة تمس السيادة، على رأسها إصراره على الاستحواذ على غرينلاند، مقرونًا بتهديدات بفرض رسوم جمركية عقابية على الدول الأوروبية التي ترفض الانصياع.
بهذا المعنى، لم تعد دافوس قمة اقتصادية بقدر ما أصبحت اختبار صبر سياسيًا لأوروبا أمام رئيس أمريكي لا يخفي استعداده لاستخدام النفوذ الاقتصادي والجغرافي كسلاح تفاوضي علني، فحين سُئل ترامب عن مدى استعداده للذهاب في ملف غرينلاند، واكتفى بالقول "ستعرفون"، لم يكن يرسل رسالة غموض محسوبة، بل يعمّق شعورًا أوروبيًا بأن العلاقة مع واشنطن دخلت مرحلة عدم اليقين.
ويرى الخبراء أن هذا التحول انعكس بوضوح على أجواء القمة، حيث انشغل القادة الأوروبيون بمحاولات احتواء التصعيد بدلًا من البحث في فرص التعاون، فالمنتدى، الذي طالما مثّل رمزًا للنظام الليبرالي القائم على القواعد، وجد نفسه يناقش سؤالًا أكثر قسوة: هل لا يزال التحالف الأمريكي-الأوروبي قادرًا على الصمود أمام رئيس يرى الشراكات عبئًا لا التزامًا؟
من جانبه، عبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن هذا القلق بشكل مباشر، محذرًا من عودة "الطموحات الإمبراطورية"، ومتهمًا الولايات المتحدة بالسعي إلى إضعاف أوروبا وإخضاعها سياسيًا واقتصاديًا.
أمّا كندا، الحليف الأقرب جغرافيًا وتاريخيًا لواشنطن، فقد قدمت في دافوس صورة أكثر قتامة عن المشهد الدولي، إذ وصف رئيس وزرائها مارك كارني هذه اللحظة بأنها "انهيار للنظام العالمي ونهاية لوهم جميل"، مؤكدًا أن العالم دخل مرحلة باتت فيها القوى الكبرى غير مقيدة بأي قواعد، ما يعكس إدراكًا كنديًا بأن حتى الشراكات الأعمق مع الولايات المتحدة يمكن أن تتحول إلى مصدر تهديد.
اللافت أن هذه المخاوف لا تأتي فقط من تصريحات ترامب، بل من الإطار الفكري لإدارته، فالاستراتيجية الأمنية القومية الأمريكية الأخيرة تحدثت عن "محو حضاري" يهدد أوروبا، ودعت واشنطن إلى مساعدتها على "تصحيح مسارها"، في لغة فُهمت أوروبيًا على أنها تخلٍ عن منطق الندية والشراكة، لمصلحة خطاب أقرب إلى الوصاية.
وفي هذا السياق، تبدو تحركات الأمين العام لحلف الناتو مارك روته لبناء علاقة شخصية مع ترامب، محاولة لتخفيف الضرر أكثر منها حلًا جذريًا، فالمشكلة، كما يدرك كثير من الحاضرين في دافوس، لم تعد في الأسلوب، بل في المنهج الذي يتبعه الرئيس الأمريكي في إدارة علاقات بلاده الخارجية.