لم تعد غرينلاند مجرد مساحة بيضاء على أطراف الخريطة، بل تحولت إلى عقدة صراع جيوسياسي تهدد بإعادة تشكيل التحالف الأطلسي، حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه عقد اجتماع في منتدى "دافوس" الاقتصادي العالمي لبحث مستقبل الجزيرة.
بحسب صحف أمريكية وأوروبية، فإن إدراج ملف غرينلاند على أجندة دافوس حوّل المنتدى من منصة اقتصادية إلى ساحة دبلوماسية ساخنة، مع حديث عن اجتماع يضم أطرافًا أطلسية لبحث "مستقبل الجزيرة". وهنا لم يعد السؤال اقتصاديًّا، بل أمنيٌّ بامتياز.
وفقًا لصحيفة "واشنطن بوست"، فإن مطالب ترامب بالسيطرة على غرينلاند تحول التجمع السنوي للنخبة العالمية إلى قمة دبلوماسية طارئة، بينما أكدت شبكة "أيه بي سي نيوز" أن ترامب اتفق مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته على عقد اجتماع في دافوس يضم "أطرافًا مختلفة" مناقشة القضية.
في خطوة غير مسبوقة، قررت الحكومة الدنماركية مقاطعة فعاليات دافوس احتجاجًا على ما اعتبرته تجاوزًا صارخًا لسيادتها. وأكد متحدث باسم المنتدى الاقتصادي أن الحكومة الدنماركية لن تكون ممثلة في دافوس هذا الأسبوع، في رسالة رمزية قوية لرفض الضغوط الأمريكية.
من جهتها وصفت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن تهديدات ترامب بأنها "فصل مظلم"، مؤكدة أن السيادة والهوية والحدود والديمقراطية غير قابلة للتفاوض. في المقابل، صعّد ترامب لهجته بإعلان فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على ثماني دول أوروبية، من بينها الدنمارك، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق بحلول الأول من فبراير المقبل.
وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين التعريفات الجمركية المخططة بأنها "خطأ خاصة بين حلفاء منذ فترة طويلة"، متعهدة برد أوروبي "ثابت وموحد ومتناسب". من جانبه، انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما اعتبره محاولة لإضعاف أوروبا وإخضاعها، مشددًا على أن "التعاون لا يعني إلقاء اللوم على الآخرين، نحن نفضل الاحترام على المتنمرين".
وأعلن الاتحاد الأوروبي عن خطة "زيادة استثمارية أوروبية ضخمة" في غرينلاند، في محاولة لمواجهة الضغط الأمريكي بالشراكة الاقتصادية.
تكمن أهمية غرينلاند الإستراتيجية في ثلاثة عوامل رئيسية: موقعها الجغرافي الحيوي بين أمريكا وأوروبا وروسيا، وثرواتها المعدنية الهائلة، وطرق الشحن الجديدة التي يفتحها ذوبان الجليد القطبي.
تحتل الجزيرة المرتبة الثامنة عالميًّا في احتياطيات المعادن النادرة بنحو 1.5 مليون طن، حسب تقرير مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، كما تضم اثنين من أكبر رواسب المعادن النادرة في العالم: كفانفيلد وتانبريز. إلى جانب النفط والغاز والليثيوم والغرافيت واليورانيوم، تحتوي الجزيرة على 25 من أصل 34 مادة خام حرجة بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
أما الطرق البحرية الجديدة، فإن ذوبان الجليد القطبي يفتح ممرات بحرية تختصر المسافة بين آسيا وأوروبا بنحو 3000 ميل بحري مقارنة بطريق قناة السويس، مع توفير يصل إلى 50% من تكاليف الشحن، وفقًا لمعهد القطب الشمالي.
تضع الأزمة الحالية مبدأ السيادة الوطنية على المحك في مواجهة الحسابات الجيوسياسية. فبينما تتمسك الدنمارك بحقها السيادي على غرينلاند منذ عام 1814، تطرح واشنطن رؤية مختلفة تربط الأمن القومي الأمريكي بالسيطرة على الجزيرة.
هذا الصراع يعكس تحولًا أعمق في النظام الدولي، حيث تتراجع قدسية الحدود أمام المصالح الإستراتيجية. روسيا والصين تراقبان عن كثب، فما يحدث في غرينلاند قد يشكل سابقة خطيرة تعيد تعريف مفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين، خاصة في المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية العالمية.
يشكل موقع غرينلاند على ما يُعرف بـ"فجوة " GIUKبين غرينلاند وآيسلندا وبريطانيا، ممرًا حيويًّا يربط المحيط المتجمد الشمالي بالأطلسي؛ ما يجعله نقطة اختناق بحرية إستراتيجية لمراقبة الأنشطة البحرية الروسية.
برر ترامب مطالبه بأن غرينلاند "حتمية للأمن الوطني والعالمي"، مشيرًا إلى أن "السفن الروسية والصينية منتشرة في كل مكان حول غرينلاند". فيما حذرت الصين، التي وصفت نفسها بـ"دولة شبه قطبية" عام 2018، من أن سياستها "طريق الحرير القطبي" تهدف إلى زيادة نفوذها في المنطقة.
رغم الحماسة السياسية، يحذر خبراء التعدين من أن الاستفادة من ثروات غرينلاند قد تستغرق عقدًا أو أكثر. المناخ القطبي القاسي، ونقص البنية التحتية، والمعارضة البيئية والسياسية المحلية، كلها عوامل تعيق الاستثمار. والأهم، أن معظم المعادن النادرة المستخرجة ستحتاج إلى المعالجة في الصين التي تسيطر على 90% من طاقة المعالجة العالمية، حسب تقرير لـ"سي إن بي سي".
يطرح الاجتماع المرتقب تساؤلات جوهرية حول مستقبل حلف الناتو والعلاقات عبر الأطلسية. القاعدة الجوية الأمريكية في ثول بغرينلاند، التي تضم نظام إنذار مبكر ضد الصواريخ البالستية، تجعل الجزيرة عنصرًا محوريًّا في الدفاع الجماعي للحلف.
لكن الضغوط الأمريكية على عضو في الناتو تهدد بتصدع التحالف من الداخل. أوروبا تواجه معضلة: إما القبول بهيمنة أمريكية متزايدة، أو بناء استقلالية إستراتيجية قد تكلفها حماية المظلة الأمنية الأمريكية.
الصين وروسيا تستثمران هذا الانقسام، مع تزايد الوجود البحري الروسي في القطب الشمالي وتوسع الصين في "طريق الحرير القطبي"؛ ما يحوّل غرينلاند إلى ساحة صراع بين ثلاثة أقطاب عالمية
وبينما تستعد القوى العظمى لصراع طويل الأمد على غرينلاند، يبقى السؤال المحوري: هل ستصمد الجزيرة في وجه إغراءات القوة الاقتصادية والعسكرية، أم أن موقعها على خريطة العالم سيعيد رسم خريطة التحالفات الدولية برمتها؟ فما بدأ كمحاولة أمريكية أحادية للسيطرة على جزيرة نائية، تحول إلى اختبار حقيقي لمستقبل النظام العالمي وتوازن القوى بين الحلفاء التقليديين.