بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا لفترة غير محددة بعد الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو، أثار الموضوع جدلاً واسعاً حول إمكانية نشر قوات أمريكية على الأرض في هذا البلد الواقع في أمريكا الجنوبية.
وجاء الإعلان في سياق سياسة "أمريكا أولاً" التي لطالما شددت على تجنب التدخلات الخارجية؛ ما يجعل أي انتشار عسكري محتمل تحولاً غير متوقع في أجندة الإدارة الأمريكية، وفق مجلة "نيوزويك".
وبحسب المجلة، البيت الأبيض لم يقدم حتى الآن خارطة طريق واضحة، ولم يحدد طبيعة الدور الأمريكي؛ ما خلق فراغاً كبيراً في المعلومات أمام الرأي العام والخبراء.
وأكد ترامب في تصريحات متعددة أن الولايات المتحدة "لن تتردد في إرسال قوات برية إذا لزم الأمر"، لكنه أشار إلى أن ذلك قد لا يكون ضروريا إذا تعاونت نائبة الرئيس المؤقتة ديلسي رودريغيز مع الإدارة الأمريكية وفق ما يُرى مناسبا؛ ومع ذلك، يبقى الغموض سيد الموقف.
في السياق نفسه شكَّك محللون سابقون ومسؤولون أمريكيون سابقون في إمكانية نشر قوات برية كبيرة، معتبرين أن الخطوة تحمل مخاطر عالية على الجنود الأمريكيين، وقد تثير اعتراضات داخل قاعدة ترامب الانتخابية نفسها.
وصف كريستوفر ساباتيني، الباحث البارز في شؤون أمريكا اللاتينية بمركز تشاتام هاوس، أي نشر واسع للقوات الأمريكية بـ"الحماقة"، مشيراً إلى غياب خطة واضحة لما بعد الأزمة.
وأضاف لـ"نيوزويك": "الأسئلة الجوهرية حول الهدف الحقيقي للوجود الأمريكي في فنزويلا لم تُجب بعد. هل الهدف أمن البلاد؟ تعزيز الانتقال الديمقراطي؟ أم حماية حقول النفط؟ الأمر لا يزال غامضاً".
بينما يرى بعض الخبراء، مثل لواء البحرية المتقاعد جو سيستاك، أن أي انتشار محتمل سيكون على الأرجح محدودا لتأمين المنشآت النفطية والأصول الاستراتيجية، وليس للقيام بمهام قتالية واسعة.
ويشير روبرت كيلي، نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق لشؤون مكافحة المخدرات، إلى أن الإدارة الأمريكية "لا تمتلك استراتيجية طويلة الأمد بشأن نشر القوات على الأرض، وهناك العديد من المتغيرات غير المحسوبة".
في الوقت نفسه، يبرز عامل النفط كأحد الدوافع الخفية للعملية الأمريكية؛ إذ يمتلك النظام الفنزويلي احتياطيات ضخمة تعد من بين الأكبر عالمياً.
واعتبر ترامب أن شركات النفط الأمريكية ستستثمر في إصلاح البنية التحتية النفطية وتحقيق أرباح، إلا أن خبراء يشككون في مشاركة هذه الشركات بشكل فعال في إعادة بناء الدولة.
على الصعيد الداخلي، لا تزال رودريغيز تواجه تحديات سياسية هائلة، حيث تتهم المعارضة الرئيسة الحالية بعدم كفاءة القيادة، بينما تعتبر الإدارة الأمريكية أن دعمها يمكن أن يضمن استقرار المرحلة الانتقالية.
وترى المعارضة الفنزويلية، بقيادة ماريا كورينا ماتشادو، أن العملية الأمريكية لم تحدث تغييرا جذريا في النظام، مطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين وبناء دولة مستقرة.
تظل الأسئلة الكبرى عن مستقبل الوجود الأمريكي في فنزويلا قائمة: ما حجم القوات المتوقع نشرها؟ وما مهامها الفعلية؟ وهل ستتم إدارة المرحلة الانتقالية بالتعاون مع المسؤولين المحليين أم سيكون التدخل الأمريكي مباشرا؟
حتى الآن، يظل الغموض سيد الموقف، وسط تحذيرات من تكرار تجارب التدخل العسكري السابقة في دول مثل العراق وأفغانستان، حيث أثبتت الخبرة صعوبة إدارة الأزمات السياسية المعقدة دون خطة واضحة لما بعد الصراع.
في نهاية المطاف، يبقى سيناريو فنزويلا اختبارا حقيقيا لقدرة واشنطن على الموازنة بين أهدافها السياسية والأمنية والاقتصادية، في بلد يزخر بالموارد ويعاني من أزمة سياسية متشابكة منذ سنوات.