logo
العالم

من هرمز إلى باب المندب.. كيف تهدد الحرب في إيران القرن الإفريقي؟

مبنى مقر الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا، إثيوبيا.المصدر: رويترز

تطورت حدة التوتر بين  إيران والولايات المتحدة إلى أزمة متعددة الأوجه، محولة الممرات البحرية الاستراتيجية إلى ساحات معارك رئيسية للجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية على حد سواء.

وبينما يركز العالم على تقلبات أسعار النفط العالمية، فإن أي اضطرابات محتملة في مضيق باب المندب قد تدفع القرن الإفريقي نحو نقطة انهيار إنساني، وذلك بقطع خطوط الإمداد الغذائي والتجاري الحيوية، وفق تقرير لموقع "إيرث".

أخبار ذات صلة

صراع أهلي في أفريقيا

ضحية صراعات لم تشارك فيها.. إفريقيا تدفع ثمن حرب إيران

وأثار التصعيد مخاوف فورية بشأن الأمن البحري في الخليج العربي، ولا سيَّما مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، وقد أسهمت مخاوف تعطيل هذا الممر المائي الحيوي في زيادة تقلبات أسواق الطاقة العالمية، وأعادت إحياء المخاوف بشأن صدمة محتملة في أسعار النفط.

ومن أبرز سمات هذا التصعيد تزايد دور الجهات الفاعلة غير الحكومية المتحالفة مع إيران، بما في ذلك حركة الحوثيين في  اليمن كفاعل رئيسي قادر على التأثير في الأحداث على نطاق أوسع بكثير من ساحة معركتها المباشرة، ويُهدد ذلك بشكل مباشر ممراً تجارياً عالمياً بالغ الأهمية، ونظراً لقرب المضيق الجغرافي من القرن الإفريقي ودوره كبوابة رئيسية للواردات الإقليمية والتجارة البحرية، فإن هذه الاضطرابات تتجاوز منطقة النزاع المباشرة؛ ما يُعرّض القرن الإفريقي لضغوط اقتصادية متزايدة وانعدام الأمن الغذائي في سياق مُثقل أصلًا بالصراعات والأزمات الناجمة عن تغير المناخ. 

وبينما استحوذ مضيق هرمز على اهتمام العالم خلال فترة التصعيد، بدأ الصراع يمتد أيضاً نحو ممر البحر الأحمر؛ ما جعل مضيق باب المندب محط أنظار العالم كنقطة اختناق بحرية ثانوية ولكنها بالغة الأهمية، إلَّا أن مواطن الضعف الهيكلية في القرن الإفريقي، مثل الاعتماد على المواد الغذائية الأساسية المستوردة، والصراعات المستمرة، وتزايد التسلح، تعني أن المخاطر الاقتصادية والأمن الغذائي والأمنية ما تزال مرتفعة رغم وقف إطلاق النار.

مضيق باب المندب.. نقطة اختناق بحرية عالمية

يقع مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات المائية الحيوية في العالم، في قلب هذا التصعيد، عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ويفصل اليمن في شبه الجزيرة العربية عن جيبوتي وإريتريا في القرن الإفريقي، ويشكل نقطة عبور بحرية بالغة الأهمية؛ إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ومن ثم بالمحيط الهندي؛ ما يجعله ممراً حيوياً للتجارة العالمية وقناة السويس.

وتتجلى أهمية مضيق باب المندب في حجم حركة النقل الهائلة التي تمر عبره، وتشير التقديرات إلى أن حوالي 9 ملايين برميل من النفط تعبر هذا الممر يومياً، ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فقد ارتفع تدفق النفط اليومي عبر مضيق باب المندب بشكل مطرد بين عامي 2020-2023، ليصل إلى ذروته عند حوالي 9.3 مليون برميل يومياً، إضافة إلى ذلك، يمر ما يقرب من 12% من حجم التجارة العالمية عبر طريق البحر الأحمر؛ ما يجعله محوريًا ليس للطاقة فحسب، ولكن أيضاً لشحن الحاويات والإمدادات الغذائية والسلع المصنعة.

أخبار ذات صلة

صيادون يمنيون في المياه المطلة على مضيق باب المندب

"باب المندب".. أداة ضغط بيد الحوثيين وسط تذبذب هدنة إيران

وبينما يُسيطر مضيق باب المندب على الوصول إلى البحر الأحمر، يُعدّ مضيق هرمز العائق الرئيسي أمام شحنات النفط من الخليج العربي، وقد بلغت أسعار النفط 119 دولارًا للبرميل (خام برنت) في مارس/ آذار، وهو أعلى مستوى لها منذ بدء الحرب الروسية في أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، وسيُمثّل أي خلل متزامن في كلا الممرين الحيويين "خنقاً مزدوجاً" غير مسبوق، مع احتمال إحداث صدمة طاقة عالمية تُضاهي، أو حتى تتجاوز، أزمات النفط السابقة.

التداعيات الإقليمية.. مواطن الضعف في القرن الإفريقي

من المرجح أن تظهر أعمق وأسرع التداعيات الإقليمية لهذا التصعيد في منطقة القرن الإفريقي؛ فدول مثل  الصومال وجيبوتي وإريتريا والسودان، الواقعة مباشرة على طول الممر البحري، تجد نفسها عالقة في اضطرابات جيوسياسية ناجمة عن عدم الاستقرار في مضيق باب المندب، ويجعلها قربها الجغرافي شديدة التأثر ليس بالتداعيات الأمنية فحسب، بل أيضاً بالاضطرابات الاقتصادية.

كما سيؤدي أي خلل في الشحن إلى زيادة أوقات التسليم وارتفاع تكاليف النقل؛ ما قد يتسبب في ارتفاع أسعار المواد الغذائية ونقص الإمدادات، وتُعدّ دول شرق إفريقيا عرضةً لانعدام الأمن الغذائي بشكل خاص؛ إذ يعتمد الاستهلاك المحلي فيها اعتماداً كبيراً على المواد الغذائية الأساسية المستوردة، ولا سيَّما القمح من أوروبا ومنطقة البحر الأسود، ووفقاً لبرنامج الأغذية العالمي، يُمثّل القمح حوالي 67% و38% من إجمالي استهلاك الحبوب في جيبوتي والسودان على التوالي، وما يقارب 24% في إثيوبيا وكينيا والصومال.

القرن الإفريقي على مفترق طرق الصراع العالمي

يمثل تصعيد الحرب في إيران، نقطة تحول حاسمة، ويؤكد التهديد الذي يواجه مضيق باب المندب واحتمال امتداد الصراع إلى القرن الأفريقي على هشاشة شبكات التجارة والطاقة العالمية، وعلى الترابط الوثيق بين الأزمات الجيوسياسية المعاصرة، كما أن تعرض القرن الإفريقي للصراعات والأزمات الناجمة عن تغير المناخ والعسكرة يُفاقم التداعيات الإنسانية والاقتصادية الناجمة عن اضطرابات حركة الملاحة البحرية.

ورغم وقف إطلاق النار المؤقت، فإن ارتفاع تكاليف الشحن وانقطاع الإمدادات الغذائية يُهددان بتعميق حالة عدم الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة، وتُظهر قدرة الحوثيين على التأثير في الشحن التجاري العالمي كيف يُمكن لجهات فاعلة غير حكومية التأثير في الأنظمة العالمية التي تهيمن عليها تقليديًا جهات فاعلة حكومية.

وفي ظل تنافس الفاعلين الإقليميين على السيطرة على الموانئ وطرق التجارة والممرات الاستراتيجية، يواجه القرن الإفريقي ضغوطاً اقتصادية متزايدة وانعداماً متفاقماً للأمن الغذائي؛ ما يهدد بحدوث عواقب تتجاوز حدودها بكثير.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC