باتت عودة الجنود الفرنسيين إلى نجامينا، وهو احتمال كان مستحيلاً قبل أسابيع قليلة، ممكنة من جديد، وذلك بعد مرور عام منذ طرد الجيش الفرنسي من تشاد.
وأضفت زيارة الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إلى قصر الإليزيه طابعاً رسمياً على المصالحة بين باريس ونجامينا، بعد نحو عام من انسحاب القوات الفرنسية من تشاد، حيث تشمل مشاريع التعاون عنصراً عسكرياً غير معلن.
وفي الـ29 من شهر كانون الثاني/يناير الماضي، استقبل الرئيس إيمانويل ماكرون المارشال التشادي في قصر الإليزيه، ولم يلتقِ الرجلان، اللذان انقطعت علاقتهما منذ طرد الجيش الفرنسي من تشاد، منذ قمة الفرنكوفونية الأخيرة، التي عُقدت في أوائل شهر تشرين الأول/أكتوبر 2024 في باريس.
تقليل الغطرسة
خلال الاجتماع بالإليزيه الذي استمر ساعة، وأعدته فرقهم الدبلوماسية بعناية، اتفقوا على تحويل تعاونهم الثنائي، والاعتراف به علنًا، إلى تعاونٍ يركز على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية أكثر من الجوانب الأمنية، على ما كشف وزير تشادي.
وأشار الوزير، شريطة عدم الكشف عن هويته لصحيفة "لوموند"، إلى أنه من المقرر عقد منتدى أعمال فرنسي-تشادي، بتنظيم من الاتحاد الدولي لأصحاب العمل الفرنسيين في باريس خلال شهر نسيان/أبريل المُقبل.
وأكد الوزير التشادي، أنه يجب "الآن، على الفرنسيين إظهار مزيد من التقدير والتقليل من الغطرسة".
وتركزت المناقشات مع إيمانويل ماكرون على إمكانية تقديم فرنسا الدعم الاستخباراتي والتدريب للقوات التشادية. وهذا من شأنه أن يعني، عودة القوات الفرنسية إلى تشاد.
ويمضي الوزير التشادي قائلًا: "لدينا احتياجات أمنية ومراقبة. إذا كانت فرنسا مستعدة لتوفيرها - ويبدو أنها كذلك - فهذا أفضل. وإذا لم تكن كذلك، فسنبحث عن بدائل أخرى".
وشكلت لعقود طويلة تشاد إحدى القواعد الدائمة الرئيسية للجيش الفرنسي في أفريقيا، وباعتبارها إحدى معاقله، فقد مثلت مركزاً لعملياته الخارجية في القارة، مثل عملية "برخان" التي نُفذت في خمس دول من منطقة الساحل بين عامي 2014 و2024.
وانتهى هذا الوجود العسكري الفرنسي التاريخي في تشاد، الذي فرضته حملة استعمارية عام 1900 واستمر على الرغم من استقلال البلاد عام 1960، في الـ30 من شهر كانون الثاني/يناير 2025، وفي ذلك اليوم، غادرت آخر فرقة قوامها حوالي 1000 جندي فرنسي كانوا متمركزين في البلاد، بعد أن أمر إدريس ديبي فرنسا فجأة بسحبهم.
ولم يتم تجاهل القضايا الأمنية في الاجتماع الفرنسي التشادي، لأنها لا تزال بالغة الأهمية للدولة الإفريقية المحاطة ببؤر توتر، حيث يسعى محمد إدريس ديبي إلى إيجاد شركاء موثوقين.
وبدأ الخلاف الأول بين البلدين في يوليو 2024، عقب إعلان مكتب المدعي العام المالي الوطني عن فتح تحقيق أولي في اختلاس أموال عامة وتلقي مسروقات ضد محمد إدريس ديبي، الذي انتُخب رئيسًا رسميًا قبل شهرين.
ووفقًا لموقع "ميديا بارت"، يشمل هذا التحقيق في شبهات المكاسب غير المشروعة أكثر من 900 ألف يورو أُنفقت في باريس على ملابس فاخرة، بالإضافة إلى ممتلكات عائلة ديبي العقارية في فرنسا، والتي تُقدّر بنحو 30 مليون يورو.
ورغم الخلافات لم ينقطع الحوار مع القادة التشاديين قط، على عكس ما حدث مع المجالس العسكرية الحاكمة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
ومع أن المناقشات لا تزال في مراحلها الأولية، ومن المرجح أن تكون بطيئة وتدريجية، إلا أنه يبدو مبدأ إعادة إرساء التعاون العسكري السري قد تم الاتفاق عليه.
ويعتزم الجنرال باسكال إياني، قائد القيادة الفرنسية في أفريقيا، زيارة تشاد قريباً، حيثُ تكتسب هذه الزيارة دلالة رمزية بالغة، ولا سيما أنه هو ذاته سلّم في الـ30 من شهر كانون الثاني/يناير الماضي، رمزياً مفاتيح قاعدة الرقيب أول أدجي-كوسي إلى الجنرال أبكر عبد الكريم داود، رئيس أركان القوات المسلحة التشادية