عين الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إيتنو، الدبلوماسية والسياسية السابقة أمينة بريسيل لونغوه سفيرة لبلاده لدى فرنسا، في خطوة تهدف إلى تهدئة التوتر بين نجامينا وباريس بعد سنوات من الفتور والتباعد.
ورأت مجلة "جون أفريك" الفرنسية، أن لونغوه تُعد من الشخصيات المقربة من الرئيس التشادي، إذ شغلت سابقًا مناصب وزارية بارزة، ويعوّل عليها ديبي لتعزيز الحوار السياسي وإعادة بناء الثقة مع فرنسا في مرحلة حساسة من العلاقات الثنائية.
ويأتي التعيين بالتزامن مع زيارة رسمية يجريها الرئيس ديبي إلى باريس، حيث يلتقي نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، في محاولة لفتح صفحة جديدة بعد أن وصلت العلاقات بين البلدين إلى أدنى مستوياتها عقب إنهاء تشاد، في نهاية عام 2024، اتفاق التعاون العسكري الذي شكّل لعقود أحد أعمدة الشراكة مع فرنسا.
وأوضحت المجلة أن اختيار لونغوه يعكس رغبة القيادة التشادية في إرسال رسالة طمأنة سياسية إلى باريس، مفادها بأن نجامينا منفتحة على إعادة تطبيع العلاقات، من دون التخلي عن سياسة تنويع الشركاء الدوليين.
ورغم أن تشاد اتجهت خلال العامين الماضيين إلى تعزيز علاقاتها مع قوى إقليمية صاعدة مثل تركيا والإمارات العربية المتحدة، فإن باريس لا تزال شريكًا محوريًا، سواء على مستوى النفوذ داخل المؤسسات الدولية أو في ملفات الأمن والتمويل والتنمية.
وأكدت المجلة أن تعيين سفيرة تتمتع بخلفية سياسية واقتصادية ودبلوماسية متنوعة ينظر إليه على أنه رهان مدروس لإدارة مرحلة انتقالية دقيقة في العلاقة مع فرنسا.
وُلدت أمينة بريسيل لونغوه عام 1991 في مدينة سارح جنوب تشاد، وهي منطقة لطالما شكّلت ثقلًا اجتماعيًا وسياسيًا مغايرًا لمراكز القرار التقليدية في شمال البلاد.
وتلقت تعليمها الثانوي في مدينتها قبل أن تحصل على شهادة البكالوريا في اللغات والعلوم الإنسانية، ثم تابعت دراستها الجامعية في غانا وفرنسا، حيث تخصصت في إدارة الأعمال، قبل أن تعود إلى نجامينا لإكمال مسارها الأكاديمي، الذي تُوّج عام 2023 بدبلومات في الدبلوماسية والعلاقات الدولية.
وبدأت لونغوه مسيرتها المهنية في القطاع النفطي عبر شركة "غلينكور" العالمية، حيث عملت لـ6 سنوات واكتسبت خبرة عملية في ملفات الطاقة والتمويل، في بلد يعتمد اقتصاده بشكل كبير على صادرات النفط ويواجه تحديات معقدة مرتبطة بديون طويلة الأجل.
كما أسهم هذا المسار في صقل فهمها للتشابكات بين الاقتصاد والسياسة، وهو عنصر يُنظر إليه اليوم كميزة في عملها الدبلوماسي، وفقًا للمجلة الفرنسية.
ودخلت الحياة العامة من بوابة العمل الاجتماعي، فأسست عام 2016 منظمة لدعم النساء والفتيات الأكثر هشاشة، قبل أن تُعيّن في 2019 مديرة عامة لدار المرأة الوطنية.
وفي شهر تموز/يوليو 2020، أصبحت وزيرة للمرأة وحماية الطفولة المبكرة، لتكون أصغر أعضاء الحكومة سنًا، ثم نالت في 2023 رتبة وزيرة دولة، في سابقة هي الأولى من نوعها لامرأة في تشاد.
ولعبت لونغوه خلال رئاسيات 2024، دورًا محوريًا في حملة الرئيس ديبي، وتولت مسؤوليات إعلامية وتنظيمية داخل الحزب الحاكم، ما عزّز موقعها كأحد الوجوه البارزة في السلطة.
غير أن اندفاعها الإصلاحي أثار جدلًا داخليًا، لا سيما بعد اقتراحها تعديلات على قانون الأسرة لتعزيز حقوق النساء المطلقات، ما دفع الحكومة لاحقًا إلى التراجع عن المبادرة تحت ضغط اجتماعي وسياسي.
وشددت المجلة على أنه رغم ذلك، لم يخرج اسم لونغوه من دائرة الثقة الرئاسية، إذ جرى تعيينها لاحقًا ممثلة لتشاد لدى المنظمة الدولية للفرنكوفونية، قبل أن تُكلّف بمنصب السفيرة في باريس، لتصبح أول امرأة تشغل هذا المنصب.
وتُعد مهمتها اليوم مزدوجة، تتمحور حول إعادة ضبط العلاقة مع فرنسا، وتقديم صورة جديدة عن تشاد كدولة تسعى إلى شراكات متوازنة تقوم على المصالح المتبادلة لا على الإرث التاريخي وحده.
وأشارت المجلة الفرنسية إلى أن السفيرة التشادية تستعد في باريس لإصدار كتابها الأول، وهو عمل فكري يتناول تجربتها في العمل العام وقضايا تمكين المرأة وحدود الإصلاح في مجتمع محافظ، في خطوة تعكس سعيها لترسيخ حضور سياسي وفكري يتجاوز العمل الدبلوماسي التقليدي، ويعزّز موقعها كأحد رموز الجيل الجديد في السلطة التشادية.