الدفاع السورية: انسحاب قسد يتم بالتوازي مع بدء نشر وحدات الجيش في مناطق التماس
يعمل رئيس المجلس العسكري في مالي أسيمي غويتا على ترسيخ سلطته، عبر شن موجة اعتقالات كجزء من استراتيجية للقضاء على أي معارضة، مدنية كانت أم عسكرية.
وبموجب مرسوم وقّعه أسيمي غويتا في 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025، تم فصل كاسوم غويتا، الرئيس السابق لأجهزة المخابرات، من صفوف القوات المسلحة المالية، كما شمل هذا الإجراء أيضاً العقيد فودي مالك سيسوكو، الضابط في الحرس الوطني المالي وحاكم كيدال السابق، ومفوض الشرطة الوطنية مصطفى دياكيتي، ويشير المرسوم إلى "إجراءات تأديبية"، دون تحديد التهم الموجهة إليهما.
وكشفت مصادر مالية موثوقة لـ"إرم نيوز"، عن سبب إقالة العقيد فودي مالك سيسوكو الذي جاء بعد تسريب تسجيلات صوتية لمكالماته مع جماعات متمردة عام 2023. وقد تم اعتقاله في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، وهو رهن الحبس الاحتياطي بتهمة ارتكاب أفعال تُصنّف كخيانة عظمى.
وتأتي هذه القرارات ضمن سلسلة من عمليات التطهير داخل الجهاز الأمني، التي بدأت قبل أشهر. وقد أقال الرئيس الانتقالي مؤخراً عدداً من كبار الضباط، من بينهم الجنرالان نيما سانغاري وعباس ديمبيلي، وهما ضابطان سابقان رفيعا الرتب في الجيش، أُقيلا في أكتوبر/ تشرين الأول بعد اعتقالهما على خلفية قضية وصفتها السلطات بأنها "محاولة لزعزعة استقرار" البلاد.
وبحسب المعلومات أُلقي القبض على الجنرالين بعدما أعربا خلال اجتماع ليلي في معسكر كاتي العسكري في يوليو/ تموز عن استيائهما من قضيتين رئيستين هما التغطية الإعلامية لخسائر الجيش، التي اعتبراها مضللة ومُضرة بمعنويات الجنود، والشعور بأن الجنود الذين سقطوا في المعركة لا يحظون بالتقدير الذي يستحقونه.
وسرعان ما فسرت الحكومة هذه الانتقادات كدليل على انعدام ثقة قد يكون خطيرا. وردا على ذلك، دعت أجهزة الاستخبارات، بناءً على توصية الجنرال موديبو كونيه، إلى حملة تطهير استباقية.
وبلغ إجمالي عدد الضباط الذين أُقيلوا من الجيش المالي آنذاك 11 ضابطاً، من بينهم جنرالات ومقدمون ونقباء وضابط صف.
وفي وقت لاحق، وتحديداً في 12 ديسمبر/ كانون الأول، لاقى العقيد ألفا يايا سانغاري، مؤلف كتاب يوثق أعمال العنف التي ارتكبها الجيش ضد المدنيين خلال عمليات مكافحة الإرهاب، المصير نفسه. وقد بدأت الإجراءات القانونية في مطلع ديسمبر/ كانون الأول لإلغاء قرارات الفصل هذه.
وتبرر باماكو عمليات فصل أبرز الرموز العسكرية بالإشارة إلى "إجراءات تأديبية". ويؤكد بعض مؤيدي أسيمي غويتا على ضرورة "الحفاظ على التماسك داخل الجيش ومنع أي محاولة لزعزعة الاستقرار في سياق أمني لا يزال هشاً".
لكن تكرار هذه الإجراءات، واستهدافها لشخصيات نافذة، والافتقار المتكرر لتقديم توضيحات، كلها أمور تثير تساؤلات. كما أن الغموض الذي يكتنف الاعتقالات، والتجاهل المزعوم للإجراءات القانونية، بحسب محامي الدفاع يزيد من حدة الانتقادات.
وفي السياق نفسه، يثير المحامي المالي مونتاجا تال، في بيان نُشر عبر منصة "أكس"، شكوكا قائلا، إن "استمرار احتجازهم في المنشآت العسكرية، دون أي اتصال بالعالم الخارجي، يثير تساؤلاً جدياً: ما هو الأساس القانوني لاحتجازهم؟"، مضيفا أنه بعد تسريحهم، أصبح جميع هؤلاء العسكريين ورجال الدرك مدنيين.
وبإقالة هؤلاء الضباط، يُعزّز أسيمي غويتا قبضته على الجهاز الأمني، الذي يُعدّ التحكم فيه أساسيا لسلطته. لكنّ هذا التركيز للسلطة ينطوي على مخاطر عدّة.
ففي ظل مواجهة الجيش لتصاعد الهجمات المتطرفة وتزايد التوترات الداخلية، لا سيما مع الفاعلين السياسيين، فإنه قد يشهد تدهوراً في تماسك الجيش وإثارة شعور بعدم الثقة بين أولئك الذين ظلوا موالين للضباط المفصولين.
ويحذر خبراء أمنيون من التداعيات العميقة لعمليات التطهير الجارية على معنويات المؤسسة العسكرية وفعاليتها الميدانية؛ إذ إن حرمان الجيش المالي من كوادره وضباطه ذوي الخبرة يهدد بفقدان القدرات العملياتية في توقيت يتسم بهشاشة أمنية بالغة، لا سيما في المناطق المحيطة بالعاصمة باماكو.
وعلاوة على الاستنزاف المهني، تسهم هذه الإجراءات في خلق مناخ من الخوف والريبة داخل أروقة القيادة العسكرية؛ ما قد يضعف التماسك الداخلي في مواجهة التهديدات المتزايدة.