أطلق رئيس وزراء كندا، مارك كارني، إنذارًا حادًا بشأن "صدع في النظام العالمي"، في خطاب غير مسبوق على منصة منتدى دافوس الاقتصادي، مؤكدًا أن العالم لم يعد مكانًا تخضع فيه القوى الكبرى للقواعد أو التحالفات التقليدية.
وبحسب "نيويورك تايمز"، فإن التحذير الكندي جاء في الوقت الذي ضاعف فيه الرئيس ترامب من تهديداته بأخذ غرينلاند من الدنمارك، قائلاً إنه سيفرض تعريفات جمركية جديدة على القوى الأوروبية كعقاب على دعمها لسيادة غرينلاند.
ويرى الخبراء أن كارني، الذي وقف على المنصة أمام كبار القادة السياسيين ورجال الأعمال، رسم صورة واضحة لأول مرة عن تحوّل كندا من دولة هادئة، تعتمد على ترتيب مستقر، إلى دولة مضطرة للبحث عن النجاة من حليف أمريكي تحوّل إلى مصدر تهديد محتمل.
ويعتقد مراقبون أن خطاب كارني لم يكن انتقادًا مباشرًا للولايات المتحدة، بل كان إعلانًا صريحًا بأن أوتاوا مضطرة لإعادة رسم استراتيجيتها الخارجية، وبناء تحالفات جديدة خارج نطاق الاعتماد التقليدي على واشنطن، لتعزيز قدرتها على البقاء في عالم أصبح فيه القرار العسكري والسياسي محكومًا برغبات القوة وليس بالقوانين.
وفي الوقت الذي يواجه فيه ترامب أزمات متصاعدة مع أوروبا بسبب غرينلاند، وتهديداته الاقتصادية، تحاول كندا تعزيز موقعها الدولي من خلال تنويع شركائها، وتوقيع اتفاقيات تجارية استراتيجية، حتى مع المنافسين الجيوسياسيين للولايات المتحدة، مثل الصين وغيرها.
وبحسب المحللين، فإن هذه التحركات تشير إلى أن كندا لم تعد تكتفي بالاعتماد على الحماية الأمريكية، بل تسعى لتكون فاعلًا مستقلًا قادرًا على حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية في مواجهة عالم غير متوازن.
من زاوية استراتيجية، يُظهر خطاب كارني إدراك كندا العميق لتحوّلات القوة العالمية: الولايات المتحدة بقيادة ترامب أصبحت أقل توقعًا وأكثر اعتمادًا على القوة الخالصة، بينما تتجه أوروبا نحو مواجهة مستمرة مع واشنطن بسبب تهديداتها الاقتصادية على سيادة الدول، خصوصًا فيما يتعلق بغرينلاند.
وتدرك كندا، التي تعتمد على التجارة مع الولايات المتحدة بنسبة 75% من صادراتها، أن الاعتماد الكامل على الحليف الأمريكي أصبح محفوفًا بالمخاطر، لذلك تبحث عن تحالفات بديلة لتعزيز قدرتها على التأثير في السياسات الإقليمية والدولية، والنجاة من عالم ما بعد النظام التقليدي.
وفي حين لم يكن خطاب كارني في دافوس مجرد تحذير، فإنه دعوة للدول متوسطة الحجم للعمل معًا، كما أن التحرك الكندي الجديد يعكس وعيًا استراتيجيًا بأن النجاة في عصر ما بعد النظام الدولي تتطلب مزيجًا من الدبلوماسية الذكية، والقوة الاقتصادية، والقدرة على المناورة وسط تحوّلات جذرية في ميزان القوى العالمية.