عراقجي لوزير خارجية فرنسا: أحرزنا تقدما في مسار التفاوض مع واشنطن في العديد من القضايا
يثير نهج أمريكا مع حكومات الساحل الأفريقي "الأمن مقابل المعادن" الكثير من الشكوك بشأن تحقيق نتائج مربحة للطرفين تتجاوز الاعتراف الدبلوماسي، وتتجاوز ما كسبته فرنسا وروسيا في هذه المنطقة منذ العام 2013.
وبعد عودته من جولة إقليمية إلى المجالس العسكرية في الساحل، صرح المسؤول الأول في مكتب الشؤون الأفريقية بوزارة الخارجية الأمريكية، نيك تشيكر، لوسائل إعلام فرنسية مساء الأحد، أن الولايات المتحدة بحاجة إلى "التعامل مع العالم كما هو"، ويجب ألا يكون لديها أي أوهام بأنها تستطيع "فرض إرادتها" وخلق الديمقراطيات.
ومؤخرًا، زار الدبلوماسي الأمريكي مالي والنيجر وبوركينا فاسو، الدول التي اتجهت جميعها في السنوات الأخيرة بدرجات متفاوتة نحو روسيا.
وهاجم تشيكر نهج الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، الذي قال إنه دمر علاقات واشنطن، وكشف أنه حاول "في الاجتماعات مع هذه الحكومات القيام بالتصحيح الجذري لهذا النهج الأخلاقي والوعظي لإدارة بايدن، والذي خلق عجزًا هائلًا في الثقة" وفق تعبيره.
وتأتي هذه المبادرات الدبلوماسية استكمالًا لزيارات قام بها مسؤولون أمريكيون رفيعون عام 2025 بهدف تأمين موارد المعادن.
كما تتزامن مع مسعى استراتيجي أمريكي لتأمين الوصول إلى المعادن الحيوية، رغم أن نحو 70% من هذه الثروات لا تزال تحت السيطرة الصينية.
وفي أوائل فبراير/شباط، أعلنت واشنطن عن مشروع "فولت"، وهو عبارة عن احتياطي استراتيجي للمعادن الحيوية، واستضافت أول اجتماع وزاري للمعادن الحيوية بمشاركة 54 دولة.
وتصنف الولايات المتحدة 60 معدنًا - بما في ذلك الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة والجرافيت - على أنها "حيوية"، نظرًا لدورها الأساسي في تحول الطاقة وتقنيات الدفاع، فضلًا عن سلاسل التوريد المعرضة للخطر الجيوسياسي.
وإلى جانب ثرواتها النفطية والذهبية، تبرز منطقة الساحل كمركز استراتيجي لاستخراج المعادن، إذ يتوقع أن تصبح مالي ثاني أكبر منتج لليثيوم في أفريقيا العام 2026 باحتياطيات تُقدر بنحو 890 ألف طن.
وتمتلك النيجر ما يقارب 454 ألف طن من احتياطيات اليورانيوم، ما يمثل 5% من الإنتاج العالمي، كما تضم المنطقة رواسب كبيرة من المنغنيز ومعادن حيوية أخرى.
وبحسب الباحث في معهد الدراسات الأمنية الجنوب أفريقي، دجيبي سو، فإن مساعي الولايات المتحدة التصالحية تجاه باماكو ونيامي مدفوعة بشكل أقل بتحول في السياسة وأكثر بمصالح استراتيجية مرتبطة باحتياجات الولايات المتحدة المعدنية الحيوية.
ولفت سو إلى أن رد فعل واشنطن على انقلابات الساحل وتوجه المنطقة نحو روسيا، لفترة من الزمن، أكثر اتزانًا من رد فعل الاتحاد الأوروبي وفرنسا.
وأوضح أنه بينما علّقت الولايات المتحدة التعاون وفقًا لشروطها القانونية عقب الانقلابات، حافظت على تواصل رفيع المستوى خلال إدارتي الرئيس السابق جو بايدن والحالي دونالد ترامب.
وقال إنه على سبيل المثال، تم تأجيل تصنيف انقلاب النيجر كمنطقة خطرة لحماية قاعدة أغاديز الأمريكية للطائرات المسيّرة، التي تبلغ قيمتها 100 مليون دولار أمريكي، ومنع الاختراق الروسي.
ومع ذلك، يُعدّ تواصل الولايات المتحدة الأخير ذا أهمية بالغة، إذ يُعيد تشكيل المشهد الدبلوماسي المحيط بتحالف دول الساحل، الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وإلى جانب روسيا والصين، تُعتبر الولايات المتحدة ثالث قوة في مجلس الأمن الدولي تتواصل مع الحكومات العسكرية، وهذا يُعقّد جهود الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) لردع الانقلابات.
وتبنى الاتحاد الأوروبي نهجًا جديدًا تجاه منطقة الساحل في أواخر العام 2025 بعد أن أدى موقفه القائم على المبادئ إلى استياء عواصم هذه الدول، إلا أن الانقسامات لا تزال قائمة حول التنفيذ، مع تردد ملحوظ من جانب فرنسا.
وفي ظل التوترات قد يزداد الضغط لتسريع عملية التطبيع، مما يعزز النفوذ الدبلوماسي لدول المنطقة.
لكن السؤال الرئيسي هو ما إذا كان هذا النهج القائم على الأمن مقابل المعادن يمكن أن يحقق نتائج مربحة للطرفين بالنسبة لدول الساحل تتجاوز الاعتراف الدبلوماسي.
وبحسب مصادر إعلامية، تضمن "الحل الأمريكي" الذي عُرض على مالي عام 2025 حزمًا من المعدات، ودعمًا استخباراتيًا، ونشرًا محتملًا للقوات البرية.
ومن الناحية الاقتصادية، يواجه نهج ترامب مفارقة جوهرية، فتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وتقليص دور مؤسسة تحدي الألفية يحرم الولايات المتحدة من أدوات تمويل التنمية والبنية التحتية اللازمة لإعادة انخراط قوي في منطقة الساحل.
كما يواجه نهج تأمين المعادن قيودًا سياسية كبيرة، إذ ما زالت أصول الليثيوم في غولامينا وبوغوني في مالي تحت السيطرة الصينية، بينما تمتلك شركة يورانيوم وان الروسية رخصة التنقيب الوحيدة في بوغولا.
وفي النيجر، يتعرض استغلال اليورانيوم لضغوط سياسية شديدة، فبينما تقتصر مشاركة الصين على منجم أزيليك، قامت السلطات بتأميم شركة سومير - التي كانت تُدار سابقًا بالاشتراك مع شركة أورانو الفرنسية - وسحبت ترخيص أورانو لمنجم إيمورارين، أكبر رواسب اليورانيوم في النيجر.