أمين بن أحمد
بعد أشهر قليلة من مغادرة القوات الأمريكية منطقة الساحل الأفريقي عقب تولي مجالس عسكرية الحُكم في كل من مالي وبوركينافاسو والنيجر، يبدو أنّ الولايات المتحدّة تُعيد حاليا طرق أبواب هذه المنطقة الاستراتيجية.
ويؤكّد المتابعون للشأن الأفريقي أنّ الزيارات اللافتة التي يجريها المسؤولون الأمريكيون إلى منطقة الساحل الأفريقي مؤخرا، تؤكّد أنّ واشنطن تسعى إلى إعادة التموضع في هذه المنطقة الاستراتيجية.
ولئن رفع هؤلاء المسؤولون شعارات التنمية الاقتصادية وعناوين المصالح التجارية المتبادلة، فإنّ الجولات الدبلوماسية المكوكية تُخفي وراءها – علاوة على ما سبق- أغراضا استراتيجية عميقة.
وآخر المسؤولين الأمريكيين زيارة للمنطقة، كان "نيك تشيكر" كبير مسؤولي الشؤون الأفريقية بوزارة الخارجية الأمريكية الذي قام مؤخرا بجولة دبلوماسية في المنطقة قادته إلى كل من النيجر ومالي وبوركينافاسو.
ووفق البلاغات الصادرة عن البيت الأبيض وعن العواصم الأفريقية الساحلية الثلاث، فإنّ لقاءات المسؤول الأمريكي بالمسؤولين الأفارقة، دارت حول تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، وتنسيق الجهود المشتركة في مجال مكافحة الإرهاب.
من جهتها، أشارت الدكتورة نسرين الصباحي، باحث أول بوحدة الدراسات الأفريقية بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، إلى أنّ الزيارة الأخيرة التي قام بها "نيك تشيكر"، إلى دول الساحل الأفريقي، وفي مقدمتها النيجر، تمثّل تحولاً نوعيًا في مقاربة واشنطن تجاه المنطقة، وانتقالاً واضحًا من سياسة الانكفاء والضغط إلى نهج أكثر واقعية وبراغماتية تحكمه اعتبارات الأمن والمصالح الاستراتيجية.
وأضافت الصباحي في حديث لـ"إرم نيوز" أنّ هذه الزيارة، لا يمكن قراءتها باعتبارها تحركًا دبلوماسيًا تقليديًا، بل تعكس إدراكًا متزايدًا داخل دوائر صنع القرار الأمريكي بأن استمرار الغياب يهدد بتآكل النفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية في معادلات الأمن الدولي وسلاسل إمداد الموارد الحيوية.
واعتبرت الصباحي أنّ الجولة التي شملت كلاً من مالي والنيجر وبوركينا فاسو تُشكّل مؤشرًا على محاولة أمريكية لإعادة التموضع داخل بيئة إقليمية أعادت تشكيل نفسها بعيدًا عن الأطر الغربية التقليدية، خاصّة في ظل صعود تحالف دول الساحل وتنامي دور المجالس العسكرية.
كما تعكس هذه الجولة إدراكًا بأن التعامل مع هذه الدول لم يعد ممكنًا عبر أدوات الضغط السياسي أو اشتراطات التحول الديمقراطي، بل عبر الانخراط المباشر وبناء شراكات انتقائية قائمة على المصالح المتبادلة، وفق تصوّر الدكتورة الصباحي.
كما تكشف عن توجه نحو تبني مقاربة إقليمية بدلاً من التعامل الثنائي المنفصل، في ضوء التنسيق المتزايد بين هذه الدول على المستويين الأمني والسياسي.
وفي حديثها عن دوافع هذا التحرك الدبلوماسي الذي جاء عقب مغادرة القوات الغربية عامة والأمريكية خاصة هذه المنطقة الاستراتيجية، بسطت الباحثة في الشأن الأفريقي جملة من الدوافع الاستراتيجية المتشابكة في مقدمتها احتواء التمدد الروسي والصيني في المنطقة؛ حيث نجحت موسكو في تعزيز حضورها الأمني، بينما وسعت بكين نفوذها الاقتصادي عبر الاستثمار في البنية التحتية وقطاع التعدين.
إلى جانب ذلك، تبرز أهمية الساحل كمخزون استراتيجي للمعادن الحيوية اللازمة للتحول الطاقوي والصناعات التكنولوجية، فضلاً عن تصاعد التهديدات الإرهابية المرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش"، وما يفرضه ذلك من ضرورة إعادة بناء شبكات الاستخبارات والمراقبة بعد فقدان واشنطن لعدد من قواعدها الحيوية.
وفي إجابتها عن هوية الرؤية الاستراتيجية الأمريكية المعلنة في بلاغ البيت الأبيض التي تركز على الشراكات الاقتصادية المتبادلة، أشارت الدكتورة الصباحي إلى أن الاكتفاء بهذا الطرح يظل محدودًا في تفسير حقيقة المقاصد الاستراتيجية، ذلك أنّ الدبلوماسية الاقتصادية والتجارية تمثل واجهة ضرورية لإعادة بناء الثقة وتخفيف حساسية الحضور الأمريكي، لكنها لا تعكس بمفردها جوهر التحرك.
وبينت أنّ جوهر التحرك يظل مرتبطًا بإعادة تأسيس موطئ قدم أمني واستخباراتي، وتأمين الوصول إلى الموارد الاستراتيجية، واستعادة القدرة على التأثير في توازنات المنطقة. ومن ثم، فإن الخطاب الاقتصادي لا ينفصل عن اعتبارات جيوسياسية أوسع، بل يُستخدم كأداة لإعادة الانخراط دون إثارة حساسيات السيادة التي باتت تمثل أولوية لدى حكومات الساحل.
وانتهت الباحثة بالقول إنّ الزيارة تعبرّ عن تحول أعمق في فهم واشنطن لدورها في أفريقيا؛ حيث لم يعد نشر القيم الديمقراطية هو المحدد الرئيسي للسياسة الخارجية، بل أصبحت "الواقعية الجيوسياسية" هي الإطار الحاكم.
وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى استعادة نفوذها، فإنها تواجه بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا وتعددًا في الفاعلين، ما يفرض عليها التكيف مع قواعد جديدة تقوم على الشراكة المتوازنة وتعدد الخيارات، في منطقة لم تعد ساحة نفوذ تقليدية بقدر ما أصبحت فضاءً تنافسيًا مفتوحًا.