في أكتوبر 2025، شحنت باكستان أول شحنة من المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة، ضمن اتفاقية تجارية بقيمة 500 مليون دولار.
تمثل هذه الشحنة رمزية مهمة؛ إذ تهدف إلى إظهار قدرة باكستان على الوفاء بالتزاماتها تجاه واشنطن، وضمان تعزيز مرونة سلاسل الإمداد الأمريكية الحساسة.
وتخطط الدولتان لتنفيذ هذه العلاقة على ثلاث مراحل حتى عام 2028، لتوسيع مشاريع التعدين بشكل كبير، إلا أن الطريق إلى الاستفادة من الثروات المعدنية الباكستانية مليء بالعقبات.
رغم تقديرات الحكومة الباكستانية بقيمة احتياطيات البلاد المعدنية بحوالي 6 تريليونات دولار، فإن الواقع مختلف.
يشكل قطاع التعدين نحو 3.2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي الباكستاني، و0.1% من صادرات المعادن العالمية، وهو مؤشر على فجوة كبيرة بين الوعود الاستثمارية والقدرات الفعلية.
أحد أهم التحديات يكمن في عدم اعتماد باكستان معايير دولية دقيقة لتقييم الاحتياطيات، مثل JORC أو NI 43-101؛ ما يثير الشكوك حول دقة التقديرات الحكومية.
كما فشلت الاستثمارات الصينية الضخمة، التي تجاوزت 65 مليار دولار ضمن الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، في تحقيق طفرة حقيقية في صناعة المعادن الأرضية النادرة.
وواجهت مشاريع مثل منجم ساينداك انتقادات بسبب ضعف الشفافية وعدم استفادة السكان المحليين؛ ما يعكس تعقيدات الاستثمار الأجنبي في هذا القطاع.
حتى إذا نجحت الولايات المتحدة في تطوير مشاريع التعدين، ستظل تواجه تحديات كبيرة في التكرير؛ إذ تهيمن الصين على 92% من صناعة تكرير المعادن الأرضية النادرة عالميا.
كما أن معظم احتياطيات باكستان (حوالي 80%) تقع في بلوشستان، إحدى أكثر المناطق اضطرابا، حيث يعيق شح المياه، والعنف المحلي، والبنية التحتية الضعيفة، تطوير مشاريع التعدين بشكل مستدام.
علاوة على ذلك، تمنح التعديلات الدستورية، مثل التعديل الثامن عشر، حكومات الأقاليم صلاحيات واسعة على الموارد الطبيعية، بما فيها حق الفيتو في حال حدوث أضرار بيئية أو اجتماعية؛ ما يزيد من تعقيد أي خطط مركزية لاستغلال هذه المعادن.
المشاريع الكبرى، مثل منجم ريكو ديك للنحاس والذهب، شهدت تأخيرات وتمويلا ناقصا؛ ما أثار قلق المستثمرين وأظهر ضعف قدرة الحكومة على توفير البيئة الاستثمارية اللازمة.
من المرجح أن يكون الاهتمام الأمريكي بالمعادن الباكستانية ذا غرض رمزي بقدر ما هو اقتصادي؛ إذ تهدف واشنطن إلى إرسال رسالة للصين مفادها أن لديها بدائل لتأمين المعادن الحيوية.
كما تسعى الولايات المتحدة لتعزيز قدراتها في قطاعات الطاقة النظيفة والدفاع والتكنولوجيا، إلا أن استثمارها في باكستان سيواجه قيودا زمنية وبيروقراطية، ولن تظهر أي فوائد ملموسة قبل عقد على الأقل.
في الوقت ذاته، تبرز هذه الصفقة كأداة للتوازن الاستراتيجي في المنافسة الأمريكية-الصينية، في ظل السيطرة الصينية على صناعة المعادن الأرضية النادرة وإمكانية استخدامها كورقة ضغط في الأسواق العالمية.
يبقى أن تُثبت باكستان قدرتها على تحويل ثرواتها المعدنية إلى مصدر موثوق وفعّال للإمدادات الأمريكية، وسط التحديات التقنية، والأمنية، والسياسية، والبيئية المستمرة.