logo
العالم

عام ترامب الأول.. الهند في مواجهة الرسوم الجمركية وباكستان تكسب الرهان

ترامب وموديالمصدر: منصة إكس

في أغسطس/آب 2025، قلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قواعد اللعبة التجارية في جنوب آسيا رأسًا على عقب، فقد خُفّضت التعريفات على البضائع الباكستانية من 29% إلى 19%، بينما تضاعفت على البضائع الهندية من 25% إلى 50%، بفارق 31 نقطة مئوية بين الجارتين. 

هذا التحرك لم يكن مجرد تعديل تجاري، بل أعاد ترتيب الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة، حيث أصبح النفوذ الاقتصادي والمصالح الفورية أهم من التحالفات طويلة الأمد والقيم الديمقراطية التقليدية.

باكستان والصفقة الثلاثية

نجاح باكستان في كسب تخفيض التعريفات الجمركية استند إلى ثلاثة عروض مترابطة خطفت اهتمام إدارة ترامب. أولاً، عرضت باكستان الوصول إلى احتياطيات نفطية هائلة ومعادن حيوية، مهدت الطريق أمام استثمارات أمريكية محتملة وتقليل الاعتماد على الصين.

توقيع مذكرة تفاهم بين شركة "يو إس ستراتيجيك ميتالز" ومنظمة "فرونتير ووركس" لإنتاج المعادن الحيوية يعكس هذا التوجه، رغم مخاطر العمل في مناطق غير مستقرة مثل بلوشستان.

ثانيًا، اعتمدت باكستان على العلاقات الشخصية والشبكات المباشرة مع ترامب وعائلته. استعان المسؤولون الباكستانيون بجماعات ضغط ترتبط بعائلة ترامب، وسهلوا صفقات مثل توقيع مجلس العملات المشفرة الباكستاني اتفاقية مع شركة يملك فيها أفراد من العائلة حصصًا كبيرة.

هذا النهج منح إسلام آباد وصولاً مباشراً إلى دوائر ترامب المقربة، وهو ما فشل الهنود في تحقيقه.

ثالثًا، استثمرت باكستان الأحداث الإقليمية لصالحها، مثل الأزمة العسكرية مع الهند في مايو 2025، حيث أشادت علنًا بترامب لدوره في وقف إطلاق النار، مع إبراز هذا الإنجاز أمام العالم.

المقارنة مع الهند كانت واضحة؛ إذ رفض رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الاعتراف بأي دور للوساطة الأمريكية، ما حرَم ترامب من التقدير الذي يفضله، بينما أكسب باكستان مزايا سياسية وتجارية ملموسة.

فشل الاستراتيجية

على النقيض، اعتمدت الهند على القيم الاستراتيجية والديمقراطية طويلة الأمد، متجاهلة تقديم حوافز ملموسة؛ إذ إن التعاون الدفاعي ومواقفها تجاه المحور الرباعي لم تُترجم إلى مكاسب مباشرة أمام إدارة ترامب، التي تنظر إلى العلاقات من منظور نفعي بحت.

أخطاء الهند لم تتوقف عند هذا الحد، بل تضمنت استمرار شراء النفط الروسي بأسعار منخفضة في 2024 و2025، ما عارض العقوبات الأمريكية واعتبره ترامب خيانة اقتصادية، مبررًا فرض التعريفة الجمركية 50% على صادراتها. حتى فائضها التجاري مع الولايات المتحدة، البالغ 41 مليار دولار، أصبح عبئًا بدلاً من أداة قوة.

كما أثبتت المؤسسات الديمقراطية الهندية، بما في ذلك الرقابة البرلمانية والإجراءات القضائية، أنها عائق أمام تقديم صفقات شخصية سريعة، وهو ما يتناقض مع نهج ترامب القائم على المكاسب الفورية والمرونة التفاوضية.

قواعد الاشتباك الجديدة

تُظهر تجربة جنوب آسيا مع سياسة ترامب الجمركية ثلاثة مبادئ أساسية للسياسة الخارجية الأمريكية؛ تشمل الأصول الفورية تتفوق على التوافق الاستراتيجي طويل الأمد: النفط والمعادن والعملات الرقمية من باكستان قدمت نتائج ملموسة تفوقت على الشراكة الاستراتيجية الهندية.

إضافة إلى أن إرضاء ترامب العلني يُنتج مكاسب أكبر من المبادئ المجردة، مثل التمجيد العلني والاعتراف بإسهاماته السياسية، الذي منح باكستان أفضلية، بينما أخفقت الهند في استثمار دور الوساطة.

كما أن العلاقات قابلة للتغيير وفق المصالح الأمريكية، حيث يمكن الدولة أن تتحول من خصم إلى شريك مفضل عبر مبادرات محددة، كما حدث مع باكستان بعد القبض على الإرهابيين ومنح الوصول إلى الموارد الاستراتيجية.

الدرس المستفاد واضح؛ ففي عصر ترامب، العروض الملموسة، التملق السياسي، والمرونة الاقتصادية تصنع الفائزين والخاسرين. باكستان استثمرت حاجتها للدعم الأمريكي، بينما حافظت الهند على استقلالها الاستراتيجي، مقابل تكاليف اقتصادية فورية.

هذا النموذج يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت المصالح الأمريكية الطويلة الأمد أم المكاسب الفورية للرئيس هي من تحدد السياسة الخارجية.

تفوق باكستان على الهند في لعبة التعريفات الجمركية يعكس تحولًا جذريًا في معايير التقييم الأمريكي للشركاء؛ والموارد الاقتصادية والوصول المباشر للرئيس فاق أهمية القيم الديمقراطية والتحالفات التقليدية، مما أعاد ترتيب أولويات القوى الإقليمية في جنوب آسيا.

إن نجاح باكستان، مقابل العقاب الهندي، يؤكد أن في عصر ترامب، الاستجابة السريعة والمكاسب الفورية هي العملة الأهم في السياسة الأمريكية، بينما المبادئ الطويلة الأمد قد تصبح عبئًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC