علقت الصين صادراتها من المعادن الثمينة والنادرة إلى اليابان التي ردّت بدورها بإطلاق أول محاولة في العالم، للتنقيب عن المعادن النادرة والثمينة في البحر لاستخراجها من عمق 6 كيلومترات كاملة.
ودخلت العلاقات اليابانية الصينية منعرجا خطيرا غير مسبوق، بالنظر إلى تاريخ العلاقات السياسية بين البلدين الجارين، بعد أن صرّحت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بأنّ أي تحرك عسكري صيني في تايوان قد يشكل تهديدا وجوديا لليابان؛ الأمر الذي قد يبرر ردا عسكريا من طوكيو.
وأثارت التصريحات غير المسبوقة موجة غضب صينية حادّة، حيث وصفت بكين تصريحات تاكايتشي بـ"غير المسؤولة" وبـ"الخطيرة للغاية"، وبأنّها توجه رسائل خاطئة جدّا إلى "قوى انفصال تايوان" عن الصين.
في المقابل، رفضت تاكايتشي تقديم أي اعتذار رسمي أو ضمني لبكين، قائلة في خطاب لها أمام البرلمان الياباني: "على الرغم من أنني ذكرت عددا من السيناريوهات المحتملة فقد أشرت أيضا إلى أنّ الحكومة ستقرر حكما شاملا بشأن ما إذا كان الوضع يشكل وضعا مهددا للبقاء، مع الأخذ في الاعتبار كل المعلومات المتاحة".
وأشارت إلى انّها لا تعتزم التراجع عن تصريحاتها مشددة على أنها تتماشى مع سياسة طوكيو التاريخية حيال الصين وتايوان.
أمّا في الداخل الياباني، فقد اثارت التصريحات ردود أفعال متباينة، ففي حين اعتبرها عدد من الديبلوماسيين اليابانيين السابقين ضربا من ضروب "الارتجال" و"الخروج عن الخطاب الياباني الرسمي" وعن "منطوق الاتفاقيات الموقعة مع الصين"، فإنّ أحزاب اليمين الياباني رحّبت بها معتبرة إياها "تأكيدا على السياسة اليابانية المستقلة" حيال بكين.
وتفاعلا مع هذه المستجدات، يبدو أنّ اليابان مقبلة على انتخابات عامّة جديدة، تعيد فرز القوى وتوزيع الأدوار السياسية في المشهد العام.
وقال هيروفومي يوشيمورا رئيس حزب التجديد الياباني "إيشين" الشريك الأساسي في الائتلاف الحاكم، إنّ تاكايتشي قد تدعو إلى انتخابات عامة مبكرة، مشيرا في الوقت نفسه إلى إمكانية تنظيمها خلال 8 أو 15 من شهر فبراير القادم.
وتؤكد مصادر إعلامية يابانية مطلعة أنّ الانتخابات المبكرة تصبّ في صالح تاكايتشي التي تسعى إلى استثمار شعبيتها المتصاعدة لدى شرائح واسعة من الناخبين اليابانيين، لتأمين غالبية مريحة في البرلمان، تمكنها من تشكيل حكومة يمينية واضحة من حيث الخيارات الاقتصادية والسياسية وخاصة الاستراتيجية مع دول الجوار.
وحيال هذه المستجدات السياسية المتصاعدة في اليابان، اختارت الصين لعب ورقتها المفضلة والمتمثلة في "المعادن الثمينة والنادرة"، فبعد أن قيّدت في وقت سابق صادرات العناصر الأرضية النادرة ضمن الإجراءات العالمية المتخدة ردا على حرب الرسوم المعلنة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فرضت مطلع الأسبوع الماضي قيودا على صادرات إلى اليابان يمكن استخدامها لأغراض عسكرية.
وقالت وزارة التجارة الصينية في بيان، إنّ جميع السلع ذات الاستخدام المزدوج (مدنيا وعسكريا)، منع تصديرها إلى اليابان، مضيفة أنّ الصادرات لأي استخدامات نهائية أخرى قد تعزز القدرات العسكرية لليابان.
وتعتبر المعادن النادرة والثمينة أساس الصناعات العسكرية، بما في ذلك الطائرات الانقضاضية والمقاتلات والصواريخ، وتشكل محور تصنيع الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية والبطاريات والحواسيب المحمولة.
وتقاطعت هذه العقوبات مع تصريح المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية بأنّ تاكايتشي أدلت بتصريحات خاطئة تنتهك مبدأ "الصين الواحدة" و"تنطوي على طابع خبيث وتداعيات ضارة للغاية.
ووفق منظمة اليابان للمعادن وأمن الطاقة، فإنّ طوكيو اعتمدت في 2024 على بكين بنحو 70% في وارداتها من العناصر الأرضية النادرة.
وللانعتاق من الرقابة الصينية في مجال المعادن النادرة والثمينة، وللحيلولة دون استعمالها كسيف عقوبات مشرّع عليها، قامت اليابان بأول محاولة في العالم لاستخراج المعادن الأرضية النادرة من أعماق البحر.
وأكدّت مصادر إعلامية يابانية مطلعة إطلاق أول محاولة في العالم لاستخراج المعادن الثمينة والنادرة على عمق 6 كيلومترات في البحر، حيث تستعد سفينة الحفر العلمية "تشيكو" للإبحار إلى جزيرة "مينامي توريشيما" في المحيط الهادئ للقيام بمهمة التنقيب والاستخراج؛ إذ يسود اعتقاد علمي بأنّ المياه الإقليمية التابعة للجزيرة غنية جدّا بالمعادن.
وحسب وكالة العلوم والتكنولوجيا البحرية اليابانية (جامستيك)، فإنّ التقديرات الرسمية – المبنية على بحوث علمية وتجارب تطبيقية جدّ عميقة- تشير إلى أنّ المنطقة المحيطة بالجزيرة تحتوي على أكثر من 16 مليون طن من العناصر الأرضية النادرة؛ الأمر الذي يجعلها ثالث أكبر مخزون في العالم.
وتشير الوكالة إلى أنّ المعادن الممكنة في الجزيرة تعادل 730 سنة من الاستهلاك العالمي الحالي لمادة "الديسبروسيوم" وهو المادة الأساسية في صناعة المغناطيسات عالية الأداء في الهواتف الذكية وفي بطاريات السيارات الكهربائية، وتُناهزُ أيضا 780 سنة من الاستهلاك العالمي الحالي من مادة "الإتريوم"، وهي مكوّن أساسي لليزر والذي باتت استخداماته الراهنة في الصناعات العسكرية محورية، لاسيما في أنظمة الدفاع الصاروخي.
ويؤكد الخبراء في مجال التعدين انّه في حال ما وصلت اليابان لهذه المعادن وتمكنت من استخراجها وفق أرقام وإحصائيات التّقديرات العلمية، فإنّ اليابان ستحقق 4 أهداف استراتيجية، الأوّل تأمين سلسلة توريد محليّ عالية المستوى من المعادن الثمينة والنادرة للقطاعات الرئيسية، والثاني كسر الاحتكار الصيني للمعادن الثمينة والنادرة والحيلولة دون استعمالها كسيف عقوبات مشرع على الدول الأخرى، الثالث تأمين الاكتفاء الذاتي الياباني والتخلي بشكل كبير عن الواردات الصينية، الرابع التّحول إلى لاعب مركزي في التحكم في المعادن الثمينة والنادرة.
في مقابل كل ما سبق، يؤكد بعض الباحثين أنّ جميع الأرقام والتوقعات المقدمة ستبقى مجرد تقديرات وفرضيات، إلى حين عودة السفينة "تشيكو" من رحلتها الاستكشافية في 14 فبراير/شباط 2026.
ووفقا للباحثين أنفسهم، فإنّ استخراج المعادن الثمينة والنادرة، دونه الكثير من المعوقات والعراقيل، على رأسها العراقيل الفنية والتقنية، والقدرة على الوصول إلى عمق 6 كيلومترات بحرية، وتأمين استخراج المواد الثمينة والنادرة من هذا العمق.
وأضافوا أنّ الإشكال البيئي سيطرح نفسه بقوة خلال جهود الاستخراج، لاسيما وأنّ اليابان موقعة على عدّة مواثيق ومعاهدات لحماية البيئة والمناخ والمحافظة على الثروات الحيوانية والسمكية.
وهي بهذه المسلكية في المحافظة على البيئة والمناخ، تختلف جوهريا عن السياسة الصينية والأمريكية في الانخراط في مشاريع صناعية ملوثة للبيئة ومهددة للتوازنات المناخية في العالم.
وإلى حين قلب اليابان، طاولة المعادن الثمينة والنادرة على الصين، - وهو ما ترجوه وتنتظره واشنطن التي سبق وأن وصفت مهمة "تشيكو" بالخطوة الأولى نحو التصنيع الياباني للعناصر النادرة- فما تزال بكين تسيطر على ثلثي الإنتاج العالمي من المعادن النادرة و92% من الإنتاج المكرر، وفقا لوكالة الطاقة الدولية.