بينما تمضي واشنطن في إطباق هيمنتها الاقتصادية على ملف النفط الفنزويلي، إحياءً لـ"عقيدة مونرو" الذي يرفض أي تدخل أجنبي في شؤون القارة الأمريكية، تشير المعطيات السياسية إلى أن بيرو باتت المحطة الثانية في استراتيجية إدارة الرئيس دونالد ترامب لتطهير الفناء الخلفي للولايات المتحدة.
وتؤكد مصادر إعلامية أمريكية أنّ بيرو تحظى بأهمية كبرى عند إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حيث إنّها تُمثّل "قاعدة اقتصادية" استراتيجية ومتقدّمة في الرؤية الاستثمارية الصينية في أمريكا اللاتينية.
ووفق العقيدة الأمنية والاستراتيجية الأمريكية الجديدة، فإنّ الوجود الصيني والروسي في أمريكا اللاتينية يمثلان خطرا أمنيا واستراتيجيا على واشنطن؛ الأمر الذي يفترض اعتماد سياسات لـ"تنظيف" فنائها الخلفيّ من أي تغلغل عسكري أو سياسي روسي أو توغّل اقتصادي استثماري صيني.
تحظى بيرو بمكانة متميزة في الرؤية التنموية لبكين، حيث تستحوذ الصين على حوالي 40% من إجمالي صادرات بيرو. ووفق الإحصاءات الرسمية فإنّ التجارة البينية حققت في 2025 رقما قياسيا قدره 51 مليار دولار، أي بنمو قارب نسبة 17.8% مقارنة ب2024.
وفي الملف التعديني تمثل بيرو حجر أساس المقاربات الاقتصادية والاستثمارية الصينية. فحسب تقارير غربية صادرة عن مؤسسات مطلعة على غرار "ستابروك نيوز"، فإنّ الصادرات المنجمية – التي تسهم فيها الصين- أسهمت في وصول صادرات بيرو الجُملية لرقم قياسي بلغ 90 مليار دولار في عام 2025.
ومساهمة الصين في الصادرات المنجمية، يتمثل أساسا في شركة "إم إ مجي MMG3" الصينية المملوكة من طرف الدولة، والتي تعمل في مجال استخراج النحاس، والتي حصلت مؤخرا على موافقة لتوسعة منجم "لاس بامباس" الغني بهذه المادة المهمة.
وتعد بيرو ثاني أكبر منتج للنحاس عالميا، وهو عنصر أساسي في منظومة الاقتصاد الأخضر، وفي صناعة السيارات الكهربائية والحواسيب الجوالة والهواتف الذكية.
وحسب مصادر إعلامية محلية، فإنّ الرئيس المنتخب حديثا خوسيه ماريا بالكازار، يواجه احتجاجات كبيرة من السكان الأصليين الذين يتهمون الشركة الصينية بعدم توزيع العوائد بشكل عادل، وبعدم تنمية مناطقهم وتأهيلها وفق لوائح التشغيل.
أمّا "ميناء تشانكاي" الذي تديره شركة "كوسكو شيبينغ بورت" الصينية، باستثمار قدره 1.3 مليار دولار، فيعتبر "درة التاج" في استراتيجية الحزام والطريق في القارة الأمريكية.
وتؤكد تقارير ميدانية صادرة عن شبكة "سي تراد ماريتيم" أنّ الميناء بدأ فعليا في تقليص زمن الشحن بين أمريكا اللاتينية (بيرو والبرازيل) وآسيا من 35 يوما إلى 25 يوما. وتضيف أنّ هذا الأمر يعني تخفيض تكاليف الشحن بنسبة 20%، وهو رقم مهم جدّا في عالم التجارة البحرية.
وتنظر واشنطن بعين الارتياب حيال هذا الميناء، حيث شنت في 12 فبراير: الفارط، هجوما دبلوماسيا حادا ضدّ الميناء وضدّ منظومة التوسع الصينية التي تقف وراءه، حسب منطق ومنطوق واشنطن.
ووفق بلاغ صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية فإنّ الميناء عبارة عن رسالة تحذير للعالم من الأموال الصينية "الرخيصة" التي تلتهم السيادة.
غير أنّ ردود الفعل الأمريكية الساعية إلى تطويق الصين، لم تقف عند حدّ الدبوماسية، إذ عقدت واشنطن صفقة مع ليما لتطوير وبناء مرافق في قاعدة "كالاو" البحرية البيروفية، في خُطوة تُقرأ عسكريا بأنّها محاصرة للنفوذ الصيني وللحيلولة دون استفراد الصين بالسواحل البيروفية.
في الأثناء، يؤكد المتابعون للشأن الأمريكي وجود نيّة للتضييق على ميناء "تشانكاي"، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة على أية سلعة قادمة من هذا الميناء؛ إذ نقلت مصادر إعلامية غربية مطلعة عن مستشار ترامب السابق في قضايا أمريكا اللاتينية ماوريسيو كلافر كاروني دعوته إلى فرض رسوم جمركية بنسبة 60% على أية سلعة تمر عبر تشانكاي.
ويعتبر كاروني واحدا من أكثر الشخصيات السياسية تأثيرا في صياغة سياسات إدارة ترامب تجاه أمريكا اللاتينية، حيث شغل سابقا منصب رئيس بنك التنمية للأمريكيتين ومستشار مجلس الأمن القومي.
وتصفه بعض الدوائر السياسية المطلعة بـ"عقل ترامب في أمريكا اللاتينية"، وعلى الرغم من مغادرته لهذه المناصب الرفيعة منذ 2022 إلا أنّ أثره على ساكن البيت الأبيض لا يزال ماثلا إلى يوم الناس هذا.
ولئن كان هذا المقترح لا يزال طور الدرس، فإنّ إدارة ترامب فرضت مؤخرا رسوما جمركية بنسبة 10% على جميع المنتجات التي تتضمّن معادن مستخرجة من مناجم تديرها الصين، في رسالة مضمونة الوصول لـ"ليما" بضرورة تنويع شركائها الاقتصاديين والاستثماريين.