كشفت صحيفة "آي بيبر" البريطانية أن الولايات المتحدة تواصل تعزيز وجودها العسكري في قواعد جوية داخل المملكة المتحدة وأوروبا، رغم قرار الحكومة البريطانية عدم السماح باستخدام قواعدها السيادية لتنفيذ ضربات ضد إيران.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه التحركات تمثل أحد أكبر حشود القوة الجوية الأمريكية في الشرق الأوسط منذ عقود؛ ما يعكس تصاعد التوتر بشأن الملف النووي الإيراني واحتمال انتقال الضغوط الدبلوماسية إلى مرحلة أكثر خطورة.
وأفادت "آي بيبر" بأن لندن حجبت الإذن عن واشنطن لاستخدام قواعد سيادية مثل "راف فيرفورد" في غلوسترشاير وقاعدة "دييغو غارسيا" في المحيط الهندي كنقاط انطلاق لضربات عسكرية محتملة. ويُعتقد أن القرار اتُّخذ خلال اتصال هاتفي بين رئيس الوزراء كير ستارمر والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ورغم ذلك، أوضحت الصحيفة أن الطائرات العسكرية الأمريكية واصلت استخدام قواعد في بريطانيا وقبرص، مستفيدة من الفارق القانوني بين إطلاق العمليات العسكرية من الأراضي البريطانية، الذي يتطلب موافقة لندن، وبين نقل المعدات والقوات عبر قواعد مؤجرة تتمتع فيها واشنطن بقدر أكبر من الاستقلالية، مثل: "راف ميلدن هول"، و"راف ليكنهيث".
وأثار هذا الموقف استياءً في البيت الأبيض، تجلّى في انتقادات علنية من ترامب لخطط بريطانيا نقل سيادة جزر تشاغوس إلى موريشيوس مع استمرار استئجار القاعدة العسكرية في "دييغو غارسيا". وكتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي أن الولايات المتحدة قد تحتاج إلى استخدام هذه القواعد "للقضاء على تهديد محتمل من نظام خطير وغير مستقر" إذا فشلت إيران في التوصل إلى اتفاق نووي.
استند تحقيق "آي بيبر" إلى بيانات تتبع الرحلات الجوية المفتوحة، وصور التقطها هواة الطيران، وتحليل صور الأقمار الصناعية، وأظهر أن ما لا يقل عن 28 رحلة عسكرية أمريكية استخدمت قواعد في بريطانيا وقبرص منذ اتخاذ القرار البريطاني.
وخلال أسبوع واحد فقط، نشرت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 76 طائرة نقل وتزويد بالوقود في أوروبا والشرق الأوسط، وهو رقم يتجاوز حجم أسطول النقل والتزويد بالوقود التابع لسلاح الجو الملكي البريطاني بالكامل. وترى الصحيفة أن هذا الحجم يعكس مستوى تعبئة استثنائيًّا.
وتشير البيانات إلى أن إجمالي الطائرات العسكرية الأمريكية التي وصلت إلى أوروبا والشرق الأوسط منذ بداية العام بلغ 128 طائرة، في أحد أكبر الانتشارات الجوية الأمريكية في المنطقة منذ سنوات طويلة.
لفتت الصحيفة إلى أن ذروة النشاط سُجلت خلال فترة 48 ساعة بين الـ17 والـ18 شباط، عندما وصلت طائرات متخصصة، بينها طائرات التزويد بالوقود من طراز "كي سي-135 ستراتوتانكر"، إلى قواعد في أوروبا والشرق الأوسط بأعداد تفوق المعدلات الطبيعية بكثير.
وتتمتع هذه الطائرات بقدرة نقل تصل إلى 200 ألف رطل من الوقود؛ ما يجعلها حجر الأساس لأي حملة جوية طويلة المدى.
وترجح الصحيفة أن عددًا من هذه الطائرات رافقته مقاتلات أمريكية، إلا أن المقاتلات لا تبث عادة إشارات تتبع علنية؛ ما يجعل رصدها أكثر صعوبة.
كما نشرت الولايات المتحدة ما لا يقل عن ست طائرات إنذار مبكر وتحكم جوي من طراز "إي-3 بي سنتري"، وهي مراكز قيادة جوية طائرة تُعد أساسية لتنسيق العمليات الجوية والبرية واسعة النطاق.
دعمت صور الأقمار الصناعية حجم الحشد العسكري. ففي قاعدة روتا البحرية جنوب إسبانيا، ارتفع عدد الطائرات الكبيرة على المدرج من طائرتين في الـ10 من كانون الثاني إلى 15 طائرة في الـ19 من شباط.
كما وصلت ما لا يقل عن 12 طائرة أمريكية للتزويد بالوقود إلى صوفيا في بلغاريا، حيث أُغلق المطار أمام الرحلات المدنية مؤقتًا.
ونقلت الصحيفة عن نائب وزير الخارجية البلغاري قوله إن الطائرات "في طريقها إلى إيران"، مضيفًا أن الوضع قد "يصبح ساخنًا قريبًا جدًّا".
ونقلت "آي بيبر" عن مسؤولين في حلف شمال الأطلسي أن نمط الانتشار العسكري يشبه التحضيرات التي تسبق "حملة جوية كبيرة".
وقدّر أحد محللي الحلف احتمال تنفيذ ضربة أمريكية ضد إيران بنحو 70% خلال الأيام المقبلة، مع الإقرار بأن هذه التحركات قد تكون أيضًا أداة ضغط تفاوضي.
وذكرت الصحيفة أن حجم الانتشار الحالي يفوق بأكثر من الضعف حشدًا أمريكيًّا سابقًا أعقب حملة قمع إيرانية للاحتجاجات قبل سنوات.
تأتي هذه التحركات بالتزامن مع محادثات نووية جارية بين واشنطن وطهران في سويسرا. وأكد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن إدارة ترامب وضعت "خطوطًا حمراء" لم توافق إيران عليها بعد.
ومنح ترامب طهران مهلة مدتها عشرة أيام للتوصل إلى اتفاق، محذرًا من أن "أمورًا سيئة ستحدث" إذا فشلت المفاوضات.

في المقابل، حذّر المرشد الإيراني علي خامنئي من أن أي حرب أمريكية ستتحول إلى حرب إقليمية واسعة. كما أجرت إيران مناورات بحرية في مضيق هرمز تحت اسم "التحكم الذكي بمضيق هرمز"، بهدف اختبار جاهزية قواتها في مواجهة تهديدات أمنية وعسكرية محتملة.
أوضحت "آي بيبر" أن تردد بريطانيا في دعم أي عمل عسكري يعود جزئيًّا إلى مخاوف قانونية، إذ إن السماح باستخدام قواعدها سيجعلها طرفًا داعمًا في أي عملية عسكرية قد تُعد مخالفة للقانون الدولي.
وقالت الباحثة إيما سالزبري إن الحشد العسكري يجعل "الخيار العسكري مطروحًا بشكل جدي وموثوق"، ما يمنح الولايات المتحدة نفوذًا إضافيًا في المفاوضات. وأضافت أن إدارة ترامب لم تُظهر سابقًا اهتمامًا كبيرًا بالاعتبارات القانونية عند التدخل العسكري.
وأكد متحدث باسم وزارة الدفاع البريطانية أن بلاده تدعم المسار الدبلوماسي، مشددًا على أن الأولوية تبقى منع إيران من امتلاك سلاح نووي وضمان أمن المنطقة.
تخلص الصحيفة إلى أن التحركات الأمريكية قد تكون جزءًا من إستراتيجية ضغط لانتزاع تنازلات من إيران، لكنها في الوقت نفسه تمثل استعدادًا عسكريًّا حقيقيًّا لسيناريو الضربة.
وبينما تستمر المفاوضات النووية، يشير حجم الحشد العسكري إلى أن المنطقة تقف أمام مرحلة حساسة قد تحدد مسار التصعيد أو التهدئة في الشرق الأوسط خلال الأسابيع المقبلة.