لم يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سوى ما وصفه بـ"الملف المفزع" للرهان عليه في محاولة تحويل موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ودفعه للابتعاد عن مسار التفاوض مع طهران، والتوجه نحو توجيه ضربة عسكرية للنظام الإيراني، مستندًا إلى أوراق "استخباراتية" تتضمن معلومات حول مساعٍ إيرانية لإيصال صواريخها البالستية إلى السواحل الشرقية للولايات المتحدة.
وتمسّك نتنياهو، خلال القمة التي جمعته مؤخرًا بترامب، بحسب خبراء لـ"إرم نيوز"، بتضخيم الخطر الإيراني عبر التلويح بملف استخباراتي يتضمن معلومات عن سعي طهران لتطوير صواريخ بالستية يصل مداها إلى 8 آلاف كيلومتر، بما يتيح لها تهديد الأراضي الأمريكية.
ولكن اصطدم نتنياهو في هذا اللقاء، ببضع عقبات لإقناع ترامب بالذهاب إلى حرب واسعة، في صدارتها ما يجري، على حد قول مراقبين، من إغراء طهران لإدارة الرئيس الجمهوري، بالعمل على اتفاق قد يفتح الباب للولايات المتحدة باستثمارات ومشاريع تقدر بأكثر من تريليون دولار في إيران.
وتتعدد السيناريوهات التي قد تشهدها الأيام المقبلة تجاه إيران، عقب لقاء نتنياهو بترامب، في ظل ما يرى مختصون في العلاقات الدولية أن نجاح مفاوضات مسقط لن يمنع إسرائيل من توجيه ضربة عسكرية منفردة، أو جرّ واشنطن إلى المشاركة فيها.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أنه لم يتوصل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى أي اتفاق نهائي سوى "إصراري على استمرار المفاوضات مع إيران"، على حد تعبيره، بعد محادثات استغرقت نحو 3 ساعات، في واشنطن.
وأضاف ترامب أنه أبلغ نتنياهو أن "الاتفاق مع إيران هو خيارنا المفضل في حال تحققه"، معربًا عن أمله في "أن يكون الإيرانيون هذه المرة أكثر عقلانية".
ويقول الخبير في العلاقات الأمريكية الإسرئيلية، الدكتور حسين الديك، إن من الواضح أن هناك قرارًا عسكريًّا اتخذ على صعيد واشنطن وتل أبيب نحو طهران، وهذا القرار لن يتغير حتى في حال نجاح المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
وأوضح الديك، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن نجاح مفاوضات مسقط لن يمنع احتمال ذهاب إسرائيل إلى توجيه ضربة عسكرية منفردة، قد تشمل اغتيال قيادات سياسية أو عسكرية إيرانية.
كما لا يستبعد سيناريو الانتظار إلى حين تجدد الاحتجاجات داخل إيران، لتستغل تل أبيب الوضع آنذاك وتسعى إلى جرّ واشنطن للمشاركة في هذا التحرك.
وبحسب الديك، فإن سيناريو فشل المفاوضات قد يفضي إلى توجيه ضربة مشتركة ضد إيران، أو ضربة إسرائيلية قوية مع تدخل أمريكي محدود، أو حتى تحرك مباشر من واشنطن يستهدف "اقتلاع رأس النظام" عبر عملية جراحية، على غرار ما جرى مع نيكولاس مادورو في فنزويلا.
ولفت إلى أن نتنياهو يدرك أن الظرف الحالي هو الأفضل للتخلص من النظام في طهران، لأن هناك رئيسًا في البيت الأبيض يتفق مع السياسات الإسرائيلية ولن يأتي رئيس أمريكي يخدم تل أبيب مثل ترامب وهو ما يعتبر فرصة ذهبية لإسرائيل لإسقاط سلطة المرشد.
ورأى الديك أن نتنياهو استثمر لقاءه مع ترامب في تضخيم التهديد الإيراني، ولا سيما ما يتعلق ببرنامج الصواريخ البالستية، مستندًا إلى معطيات استخباراتية تشير إلى سعي طهران لزيادة مدى صواريخها إلى نحو 8 آلاف كيلومتر، بما يمكّنها من بلوغ السواحل الشرقية للولايات المتحدة، بهدف التأثير في مسار مفاوضات مسقط وعرقلتها.
وأشار الديك إلى أن إسرائيل تريد تعقيد المفاوضات وإفشالها ليكون الخيار العسكري الحل الوحيد والأنسب، موضحًا أن نتنياهو يلعب جيدًا مع الولايات المتحدة على "وتر" أن إيران تقف دائمًٍا عقبة للرؤية الأمريكية في الشرق الأوسط
ووفق الديك، فإن ترامب يعتمد إستراتيجية "السلام من خلال القوة"، إذ يُفاوض ويده على الزناد؛ فيرسل البوارج الحربية إلى الشرق الأوسط ويهدد النظام الإيراني، وفي الوقت ذاته يعلن المضي في مفاوضات مسقط، وسط مؤشرات على تمسّكه بأهمية مطالب تل أبيب والخطوط الحمراء الأربعة التي وضعتها إسرائيل للوفد الأمريكي قبل التوجه إلى مسقط.
ويظن الديك أن الضربة العسكرية حاصلة، ولكن المسألة اليوم تدور حول حجم وتوقيت الضربة والتعامل مع ارتداداتها، وهذا ما وضع نقاطه بين ترامب ونتنياهو في لقاء للمرة السابعة بينهما خلال عام تقريبًا وهذا لم يحدث في تاريخ البلدين.
وبدوره، يؤكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، الدكتور أمجد شهاب، أن الإسرائيليين أبلغوا الأمريكيين أن هناك صورة واضحة بأن إيران في أضعف أوقاتها على المستوى الاقتصادي والسياسي الداخلي والعسكري، وهناك ضرورة لتحديد مكان المرشد لتصفيته جسدياً حتى إسقاط قلب النظام.
وأفاد شهاب في تصريحات لـ"إرم نيوز"، إن كان هناك اختراقات عدة من دول محيطة بإيران وعبر أقليات في الداخل، لهندسة الفوضى وهو ما كان يرغب فيه نتنياهو الذي يعتبر إسقاط النظام انتصارًا في الانتخابات في عام 2026.
وبين أن استطلاعات الرأي بالداخل الإسرائيلي تؤكد أن نتنياهو حال إجراء انتخابات بالوقت الحالي لن يستطيع تشكيل حكومة جديدة، وإسقاط النظام في إيران حيوي للغاية له، ما يجعله مصمما على توجيه الضربة بمساعدة الولايات المتحدة لطهران، لإعلانه انتصارًا واضحًا أمام الرأي العام الداخلي.
وصرّح شهاب أن الثقافة الأمريكية الحالية تستهدف إخضاعًا تدريجيًّا للنظام الإيراني وليس توجيه ضربات متتالية في وقت اتبعت إستراتيجية فرض عقوبات اقتصادية تتزامن مع الاحتجاجات الداخلية والفجوات والاختراقات؛ ما يؤثر بالسلب في استمرار السلطة الحالية.
واستكمل أن الولايات المتحدة ما زالت تراهن على ابتزاز إيران لتقديم تنازلات في الملف النووي في الوقت الذي تتخوف فيه تل أبيب من أن يكون هناك توافق بين واشنطن وطهران التي تحاول جذب إدارة ترامب بالإقبال على استثمارات ومشاريع تقدر بأكثر من تريليون دولار.
وتابع بالقول إن خوف نتنياهو هنا من أن يتم اتفاق بين طهران وواشنطن دون هزيمة واضحة للإيرانيين، لذلك تمسك في هذا الاجتماع بحسم الأولويات بين الطرفين الأمريكي والإسرائيلي، للوقوف على الطريقة التي سيتم التعامل بها مع الملف الإيراني.
ونبّه شهاب إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار حاجة ترامب إلى دعم اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، في ظل اقتراب الانتخابات النصفية، معتبرًا أن ذلك يشكّل إحدى أوراق الضغط التي يستخدمها نتنياهو لدفع الرئيس الجمهوري نحو تبنّي خيار توجيه ضربة عسكرية لإيران، فضلًا عن التلويح بملف إبستين.
ويرى شهاب أن كل المؤشرات تدل على أن التحشيد العسكري لتوجيه الضربة قائم، وسط تساؤلات عن قدرة إقناع نتنياهو لترامب بأن هذه العملية لن تؤدي إلى فوضى بالشرق الأوسط وفقدان السيطرة في وقت لا ترغب فيه طهران وواشنطن في مواجهات طويلة.