أعادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إدراج الصواريخ الباليستية ضمن أي اتفاق مقبل مع إيران هذا الملف إلى صدارة النقاش في واشنطن.
الإدارة الأمريكية تتحرك نحو ربط البرنامج النووي بوسائل الإيصال بعيدة المدى في إطار تفاوضي واحد. داخل دوائر القرار يتقدم اتجاه يعتبر أن أي تسوية لا تشمل القدرات الصاروخية تبقي معادلة الردع موضع مراجعة.
وتنظر الإدارة الأمريكية إلى الصواريخ الإيرانية كعامل مباشر في أمن الحلفاء الإقليميين، وفي تموضع القوات الأمريكية في المنطقة.
تقارير صادرة عن الكونغرس خلال السنوات الماضية رصدت تطور مدى هذه الصواريخ ودقة أنظمة توجيهها، إذ تدعم هذه التقييمات داخل واشنطن اتجاهاً يدفع نحو إدراج الملف الصاروخي ضمن أي صيغة اتفاق مقبلة.
تحوّل جدول التفاوض في واشنطن
في حين يرى خبراء في الشؤون الإيرانية، تحدثوا لـ"إرم نيوز"، أن إدراج الصواريخ الباليستية في المفاوضات يعيد تعريف جدول الأعمال بين واشنطن وطهران، بعدما أصبح النقاش يتناول القدرات العسكرية الفعلية وتأثيرها المباشر في معادلات الردع الإقليمي، يؤكدون أن هذا الملف يرتبط بحسابات أمنية داخلية دقيقة في إيران، وبمخاوف متزايدة لدى دول الخليج وإسرائيل.
ويضيفون أن أي تفاوض حول الصواريخ سيتطلب معالجة تفاصيل تتعلق بالمدى وأنظمة التوجيه وآليات الاختبار، ما يفتح الباب أمام ترتيبات رقابية تختلف عن تلك المعتمدة في الملف النووي، وتضع التنفيذ في صدارة التحديات.
ويأتي هذا التحول في ظل سجل طويل من تطوير البرنامج الصاروخي الإيراني خارج أي التزام دولي ملزم، فقد واصلت طهران توسيع مدى صواريخها وتعزيز دقة أنظمتها في وقت كانت تؤكد فيه تمسكها بالإطار النووي فقط. هذا المسار عزز القناعة داخل واشنطن بأن استبعاد الصواريخ من أي اتفاق يمنح إيران هامشًا عسكريًا واسعًا يظل خارج الرقابة الدولية.
كما أن تنامي القدرات الصاروخية ترافق خلال السنوات الماضية مع توظيفها في سياق استعراضات عسكرية ورسائل ردع موجهة إلى دول الإقليم، وهو ما عزز المخاوف من أن إبقاء هذا الملف خارج التفاوض يسمح للنظام الإيراني بالحفاظ على أداة ضغط فعالة من دون قيود واضحة.
إدراج الصواريخ في الشروط العلنية يعكس سعيًا لسد فجوة اعتُبرت إحدى أبرز نقاط الضعف في المقاربات التفاوضية السابقة.
وكان ترامب قد قال، في مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية، إن أي اتفاق مع إيران يجب أن يشمل برنامج الصواريخ الباليستية إلى جانب الملف النووي.
بهذا الموقف، أُدرج الملف الصاروخي ضمن الشروط العلنية للإدارة الأمريكية، بعدما كان التركيز في الجولات السابقة منصبًا على التخصيب والرقابة الدولية.
وفي السياق ذاته، أفادت صحف أمريكية بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توجّه إلى واشنطن لبحث التطورات المرتبطة بالملف الإيراني.
التغطيات أشارت إلى أن جدول اللقاءات يتضمن مناقشة القدرات الصاروخية الإيرانية وإمكان إدراج قيود عليها ضمن أي صيغة تفاوضية مقبلة، في وقت يتصاعد فيه النقاش داخل واشنطن حول طبيعة الاتفاق الجاري بحثه.
حسابات طهران وحدود التنازل
ترى إيلي غيرانمايه، الخبيرة في الشؤون الإيرانية في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، خلال حديثها لـ"إرم نيوز"، أن إدراج الصواريخ في المفاوضات يعني أن واشنطن تتعامل مع هذه القدرات بوصفها جزءًا مركزيًا من معادلة القوة الإيرانية، وليس تفصيلًا مكملًا للملف النووي.
وتضيف أن البرنامج الصاروخي يشكل أداة عسكرية فاعلة في الحسابات اليومية للأمن الإقليمي، ما يجعل أي نقاش حوله يمس مباشرة البنية العملياتية التي تعتمد عليها طهران في تموضعها الإقليمي.
وتقول غيرانمايه: "القرار الإيراني في هذا الملف يصدر عن مؤسسات أمنية تنظر إلى الصواريخ كأداة مباشرة في ضبط العلاقة مع الخصوم الإقليميين. أي التزام يتعلق بهذا البرنامج سيخضع لمراجعة عسكرية داخلية دقيقة تشمل المدى، وتوزيع المنظومات، وإيقاع تطويرها. وترجح أن يدخل التفاوض في تفاصيل تتصل بالاختبارات والقدرات التشغيلية، ما يضيف طبقة تقنية ثقيلة إلى المسار السياسي".
غير أنها تشير إلى أن البرنامج الصاروخي الإيراني تطور خارج أي إطار رقابي ملزم، وتحول إلى أداة نفوذ إقليمي تديرها مؤسسات عسكرية تتصدرها بنية الحرس الثوري.
وتؤكد أن تمسك طهران بهذا الملف يعكس رغبة واضحة في إبقاء هذه القدرات خارج أي التزام دولي مباشر، رغم ما يثيره ذلك من قلق إقليمي وانتقادات داخلية مرتبطة بأولويات الإنفاق العسكري.
وتضيف أن البرنامج الصاروخي يحتل موقعًا ثابتًا في منظومة الأمن الإيراني، وقد جرى تطويره على مراحل متتالية ضمن تصور استراتيجي يربط بين الردع التقليدي والتموضع الإقليمي.
كما ترى أن أي تفاوض حول الصواريخ سيبقى محكومًا باعتبارات أمن قومي داخل إيران، حيث يُدار الملف على مستوى مؤسسات عسكرية عليا تحدد سقف الحركة التفاوضية وتضبط حدود التنازل.
واشنطن بين الضغط الإسرائيلي والحسابات الإيرانية
هذا، وقد وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت تؤكد فيه إسرائيل ضرورة أن يشمل أي اتفاق مع إيران قيودًا على برنامج الصواريخ الباليستية إلى جانب الملف النووي.
جدول المحادثات يتضمن بحث تفاصيل تتعلق بمدى الصواريخ وأنظمة التوجيه وإمكان فرض قيود قابلة للتنفيذ ضمن أي صيغة تفاوضية.
وفي المقابل، نقلت وسائل إعلام دولية عن مسؤولين إيرانيين دعوة واشنطن إلى إبقاء مسار التفاوض بعيدًا عن الضغوط الإسرائيلية.
هذه التصريحات صدرت قبيل الاجتماعات في العاصمة الأمريكية، وتعكس حساسية طهران تجاه إدخال الملف الصاروخي ضمن شروط الاتفاق الجاري بحثه.
إدراج الصواريخ في جدول التفاوض ينقل النقاش إلى قدرات عسكرية قائمة تؤثر مباشرة في معادلات القوة الإقليمية.
المفاوضات في هذه الحالة تتناول المدى، وعدد المنظومات، وأنماط الانتشار، وسقف التطوير التقني. هذه التفاصيل تضع التوازنات العسكرية في المنطقة ضمن صلب الاتفاق.
وتأتي المفاوضات في ظل استمرار العقوبات الأمريكية.
في المقابل، تتعامل طهران مع برنامجها الصاروخي كأحد عناصر النفوذ التي بنتها خلال السنوات الماضية.
أي تعديل في هذا الملف يرتبط بحسابات داخلية داخل مؤسسات صنع القرار، إذ يُقاس أثره على موقع إيران الإقليمي وعلى تماسك معادلة الردع التي تعتمدها.
ويعزز التحرك الإسرائيلي في واشنطن الانطباع بأن البرنامج الصاروخي الإيراني بات يُنظر إليه كعامل عدم استقرار يتجاوز الإطار الثنائي بين واشنطن وطهران، إذ ارتبط خلال السنوات الماضية بسياقات إقليمية اتسمت بتصعيد عسكري ورسائل ردع مباشرة.
هذا التطور وضع القدرات الباليستية في موقع اتهام سياسي دائم باعتبارها أداة ضغط خارج منظومة الضبط الدولي.
كما أن مطالبة مسؤولين إيرانيين بإبعاد “الضغوط الإسرائيلية” عن مسار التفاوض تعكس تمسك طهران بإدارة الملف ضمن مقاربة ترفض أي تدويل للرقابة على قدراتها التقليدية.
هذا الموقف يعزز المخاوف من أن النظام يسعى إلى الحفاظ على برنامج صاروخي متحرر من القيود، رغم ما يثيره ذلك من توترات متكررة في محيطه الإقليمي.
الرقابة على الصواريخ
يرى الباحث في الشؤون الإيرانية، أليكس فاتانكا، أن الدفع الأمريكي نحو إدراج الصواريخ يعكس أيضًا اعتبارات تتعلق بحلفاء واشنطن في المنطقة، الذين يتعاملون مع تطور مدى الصواريخ الإيرانية ودقتها بوصفه عنصرًا مؤثرًا في حسابات الدفاع الجوي والإنذار المبكر.
إدخال هذا الملف في التفاوض يمنح هذه الدول حضورًا فعليًا في صياغة الشروط الأمنية، حتى لو بقيت المحادثات محصورة رسميًا بين واشنطن وطهران.
ويضيف فاتانكا، خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، أن أي اتفاق يتناول الصواريخ سيفرض إنشاء آليات تحقق تتجاوز منظومة الرقابة النووية التقليدية، لتشمل منصات الإطلاق واختبارات المدى وأنظمة التوجيه.
هذا المستوى من التفتيش يضع القدرات العسكرية التقليدية تحت رقابة مباشرة، ويطرح مسألة حدود السيادة العسكرية داخل إيران.
ويرجح أن تشكل ترتيبات التنفيذ النقطة الأكثر تعقيدًا في المرحلة المقبلة، نظرًا لما تتطلبه من التزامات مستمرة وآليات متابعة دقيقة.
وبحسب الخبير في الشؤون الإيرانية، فإن موقع الملف الصاروخي في جدول الأعمال سيحدد سقف الاتفاق المقبل وطبيعته ومدى التزام أطرافه ببنوده الأمنية. إذ يوسع إدراجه في صلب التفاوض نطاق الالتزامات المطلوبة ويضع الترتيبات العسكرية تحت تدقيق مباشر، ما يمنح هذا البند وزنًا سياسيًا يتجاوز أي تفصيل تقني داخل الاتفاق.