كشفت مصادر أن قمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في أنقرة تعكس تحوّلًا تدريجيًا في طبيعة العلاقة بين البلدين، من صراع مفتوح قابل للانفجار إلى محاولة لإدارة التوتر عبر قنوات سياسية ودبلوماسية.
وبحسب "المونيتور"، أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية اليونانية لانا زوتشيو، في وقت سابق، أن الهدف هو "تقييم التقدم المحرز في التعاون الثنائي" و"إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة لنزع فتيل أي أزمات محتملة".
ويرى الخبراء أن العلاقات التركية-اليونانية ظلت لعقود رهينة خلافات سيادية معقدة حول الحدود البحرية وحقوق الطاقة في بحر إيجه، لكن التطورات الإقليمية والدولية وجهود حلفاء الناتو دفعت الطرفين إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية تقوم على منع التصعيد بدلاً من تسوية الخلافات جذريًا.
ملف الهجرة غير النظامية يفرض نفسه كأحد أبرز محركات التقارب، خاصة بعد حادث غرق قارب المهاجرين قبالة جزيرة خيوس، الذي أعاد تسليط الضوء على حساسية الدور التركي باعتبارها بوابة عبور رئيسة نحو أوروبا.
وترى أثينا أن ضبط تدفق المهاجرين يمثل أولوية أمنية وسياسية، فيما تستخدم أنقرة الملف كورقة ضغط في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، متهمة بروكسل بعدم الوفاء الكامل بالتزامات اتفاق الهجرة لعام 2016، وهذا التباين يكشف أن الهجرة تحولت من قضية إنسانية إلى أداة تفاوض جيوسياسية بين الطرفين.
غير أن التحدي الأكبر يظل في النزاع البحري في بحر إيجه، حيث تتقاطع اعتبارات السيادة مع حسابات الطاقة والأمن العسكري، كما أن إعلان أثينا نيتها توسيع مياهها الإقليمية يثير قلق أنقرة التي تعتبر هذه الخطوة تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية، مستندة إلى موقفها التاريخي الذي يربط هذا التوسع بإمكانية اندلاع صراع عسكري، وفي المقابل، تستند أثينا إلى القانون الدولي للبحار للدفاع عن حقها في توسيع نطاق سيادتها البحرية.
وتأتي هذه القمة أيضاً في ظل بيئة جيوسياسية أكثر تعقيداً، إذ يسعى حلف الناتو إلى الحفاظ على تماسكه في مواجهة أزمات الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا، ما يجعل أي تصعيد بين عضوين رئيسين في الحلف مصدر تهديد لتوازناته الأمنية، ولذا، تبدو محاولات التهدئة بين أنقرة وأثينا جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز العلاقات الثنائية إلى الحفاظ على استقرار الجناح الجنوبي للحلف.
لكن مراقبين يرون أن مسار العلاقات بين البلدين، رغم مؤشرات الانفراج السياسي، فإنه سيظل مرهونًا بقدرة القيادتين على منع الخلافات البحرية من التحول إلى مواجهات ميدانية، فالتقارب الحالي يعكس هدنة سياسية أكثر منه تسوية تاريخية، ما يهدد بأن يظل بحر إيجه ساحة تنافس استراتيجي مفتوحة على احتمالات التصعيد والاحتواء في آن واحد.